الأسرة السورية أمام ضغوط المعيشة.. الدخل يغطي الضروريات والطوارئ تفتح باب الاستدانة
تواجه الأسر السورية معادلة مالية تزداد صعوبة مع ارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية مقارنة بمستويات الدخل، إذ تستهلك نفقات الغذاء والسكن والطاقة والنقل والصحة والتعليم معظم الموارد المتاحة، ما يترك شريحة واسعة من العائلات من دون قدرة فعلية على الادخار أو تكوين احتياطي يمكن اللجوء إليه عند حدوث ظرف طارئ.
وتتجاوز المشكلة مسألة تراجع القدرة الشرائية، لتصل إلى ما يعرف بالهشاشة المالية، إذ قد تتمكن أسرة من تأمين متطلباتها الشهرية بصعوبة، لكنها تصبح أمام أزمة بمجرد ظهور فاتورة علاج أو إصلاح منزل أو انقطاع مصدر دخل، ما يدفعها إلى الاستدانة أو تقليص احتياجات أساسية أخرى.
قال رضوان الدبس، خبير اقتصادي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن المشكلة لا ترتبط بارتفاع الأسعار وحده، بل باتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، موضحاً أن الأسرة محدودة الدخل أصبحت تستهلك معظم مواردها في الضروريات، وبالتالي تتراجع قدرتها على الادخار والاستعداد للنفقات غير المتوقعة.
الدخل ينتهي قبل الوصول إلى الادخار
أوضح الدبس أن تكلفة الحد الأدنى لمعيشة أسرة من خمسة أفراد في دمشق تصل، وفق أحدث البيانات التي استند إليها، إلى نحو 500 دولار شهرياً من دون بدل السكن، وترتفع إلى مستويات أكبر عند إضافة الإيجار، في وقت تعادل فيه هذه النفقات عدة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور.
وبيّن أن الادخار يمثل عملياً الجزء المتبقي من الدخل بعد تغطية الغذاء والسكن والطاقة والنقل والصحة والتعليم، وبالتالي عندما تستحوذ هذه البنود على معظم دخل الأسرة، يصبح الادخار أول ما يجري الاستغناء عنه، ولا تعود المشكلة مرتبطة بغياب الرفاهية، وإنما بفقدان هامش الأمان المالي.
وفرّق الدبس بين الفقر والهشاشة المالية، موضحاً أن الأسرة الفقيرة لا تستطيع تأمين احتياجاتها الأساسية، بينما قد تتمكن الأسرة الهشة مالياً من تغطية هذه الاحتياجات، لكنها لا تمتلك الموارد اللازمة لمواجهة أي صدمة مفاجئة، ما يجعل استقرارها قابلاً للتراجع بسرعة.
وأشار إلى أن عدم القدرة على تكوين احتياطي مالي يمثل مؤشراً مهماً على ضعف الدخل الحقيقي والقدرة الشرائية، لكنه يرتبط أيضاً بحجم الأسرة وعدد المعالين واستقرار العمل وتكاليف السكن والطاقة والنقل والصحة، إضافة إلى الديون السابقة والتحويلات الخارجية وامتلاك المنزل أو وجود مصادر دخل إضافية.
ولفت إلى أن أسرتين تحصلان على الدخل نفسه قد تواجهان أوضاعاً مختلفة تماماً، إذ تكون الأسرة التي تمتلك منزلاً أو تتلقى تحويلات مالية أو لديها مصدر دخل إضافي أكثر قدرة على مواجهة الظروف، مقارنة بأسرة تدفع جزءاً كبيراً من مواردها للإيجار وتعيش على مصدر دخل واحد.
الطوارئ تبدأ بالدين وقد تنتهي بتقليص الضروريات
حذر الدبس من أن غياب الاحتياطي المالي يجعل المصروف المفاجئ بداية لمشكلة تمتد إلى الأشهر التالية، إذ تضطر الأسرة إلى الاقتراض لعلاج أحد أفرادها أو إصلاح المنزل أو تغطية حاجة ملحة، لتتحول قيمة الدين لاحقاً إلى التزام يقتطع جزءاً من دخلها الشهري.
وأوضح أن هذه الآلية قد تقود إلى ما يعرف اقتصادياً بـ"دورة المديونية"، إذ تبدأ بنفقة طارئة يعقبها الاقتراض، ثم يضاف سداد الدين إلى المصروفات الشهرية، فيتراجع الدخل المتاح للاحتياجات الأساسية، وقد تضطر الأسرة إلى الاستدانة مجدداً لتغطية العجز.
وقدم مثالاً لأسرة يبلغ دخلها 500 دولار شهرياً، بينما تحتاج إلى 480 دولاراً لتغطية نفقاتها المعتادة، ما يترك لها هامشاً لا يتجاوز 20 دولاراً، فإذا واجهت فاتورة علاج بقيمة 150 دولاراً فإن الاقتراض يصبح أحد الخيارات القليلة المتاحة أمامها.
وأضاف أن الأسرة ستدخل الشهر التالي وهي مطالبة بتغطية نفقاتها الأساسية وتسديد الدين في الوقت نفسه، ما قد يدفعها إلى تخفيض جودة الغذاء، أو تأجيل العلاج، أو تقليص الإنفاق على التعليم وصيانة المنزل، أو بيع بعض ممتلكاتها، وفي حالات أخرى العودة إلى الاقتراض مرة جديدة.
وأشار الدبس إلى وجود مؤشرات سابقة أظهرت اعتماد أسر سورية في بعض المناطق على الاقتراض أو شراء الغذاء بالدين لتغطية احتياجاتها، معتبراً أن تكرار هذه الوسائل يعكس ضعف قدرة الأسر على التعامل مع الأزمات من مواردها الخاصة.
غياب هامش الأمان يزيد هشاشة الأسر
أكد الدبس أن وجود احتياطي مالي للطوارئ يمثل في الظروف الطبيعية وسيلة لحماية الأسرة من الصدمات، لكنه يكتسب أهمية أكبر في سوريا نتيجة تداخل مخاطر تغير الأسعار وتكاليف الصحة والطاقة والنقل مع تقلب الدخل وفقدان فرص العمل.
وأوضح أن مطالبة الأسر محدودة الدخل بالادخار لا تكون واقعية عندما لا يغطي دخلها احتياجاتها الأساسية أصلاً، مشيراً إلى أن المشكلة الأعمق لم تعد فقط عدم القدرة على توفير المال، وإنما فقدان القدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية ولو كانت محدودة.
وشدد على أن الأسرة التي لا تمتلك مبلغاً احتياطياً لمواجهة المرض أو إصلاح المنزل أو توقف مصدر دخل تصبح أكثر عرضة للدخول في المديونية، فيما يؤدي سداد الديون لاحقاً إلى الضغط على إنفاقها الأساسي، لتتشكل دائرة من الفقر والهشاشة المالية يصعب الخروج منها.
وختم الدبس بالتأكيد أن قياس تحسن الوضع الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر على مؤشرات مثل التضخم أو سعر الصرف، بل يجب أن يشمل قدرة المواطن على تغطية احتياجاته الأساسية، ووجود جزء متبقٍ من دخله يسمح له بالادخار والاستعداد للطوارئ، باعتبار ذلك مؤشراً مباشراً على مستوى الاستقرار المالي للأسر.