اعتصام الساعة في حمص: من تشييع الضحايا إلى لحظة مفصلية غيّرت مسار الثورة
شكّل اعتصام ساحة الساعة في مدينة حمص في الثامن عشر من نيسان/أبريل 2011 نقطة تحوّل مفصلية في مسار الثورة السورية، إذ لم يكن الحدث مجرد تجمّع احتجاجي عابر، بل لحظة سياسية واجتماعية كثيفة اختزلت مساراً كاملاً من التراكمات، ودفعت المدينة لتتصدر المشهد بوصفها "عاصمة الثورة".
وجاء الاعتصام في سياق تصاعدي بدأ مع الاحتجاجات الأولى التي شهدتها المدينة مطلع نيسان، قبل أن يبلغ ذروته مع أحداث السابع عشر من الشهر ذاته، حين قُتل عدد من المتظاهرين في أحياء باب السباع والمريجة، إضافة إلى سقوط ضحايا في مدينة تلبيسة، في مشهد وصفه ناشطون بأنه مفاجئ من حيث حجم العنف المستخدم، ما دفع الأهالي إلى التحرك الجماعي في اليوم التالي.
في صباح الثامن عشر من نيسان، تدفقت حشود ضخمة من أبناء المدينة وريفها إلى الجامع النوري الكبير للمشاركة في تشييع الضحايا، حيث امتلأت الشوارع المحيطة بالمشيعين وسط حالة من الغضب والحزن، قبل أن ينطلق موكب جنائزي ضخم باتجاه مقبرة الكتيب.
ويروي مشاركون أن التشييع اتسم بمشهد تضامني لافت، خاصة في حي الحميدية، حيث عبّر سكان الحي عن دعمهم عبر الهتافات ورش المياه ونثر الأرز على المشيعين، في صورة عكست الطبيعة الجامعة للحراك في تلك المرحلة.
ومع انتهاء مراسم الدفن، بدأت ملامح التحوّل تتشكل، إذ اتجهت الجموع بشكل عفوي نحو ساحة الساعة الجديدة وسط المدينة، في قرار لم يكن منظماً مسبقاً بحسب شهادات متعددة، بل جاء نتيجة تفاعل لحظي مع حجم الحدث.
ويؤكد ناشطون أن الدعوة للاعتصام انطلقت من داخل الحشود نفسها، حيث بدأ آلاف المتظاهرين بالتوافد إلى الساحة، قبل أن تتوسع الأعداد بشكل سريع لتشمل عشرات الآلاف، وتقدّر بعض الشهادات العدد بما يتراوح بين 100 ألف و200 ألف مشارك في ذروة الحدث.
داخل الساحة، بدأ المعتصمون بتنظيم أنفسهم بشكل لافت، حيث نُصبت خيام مخصصة للنشاطات المختلفة، بينها خيمة للمشايخ وأخرى لما عُرف بـ"الوحدة الوطنية"، كما أُقيمت الصلوات بشكل جماعي، وتناوب ناشطون ورجال دين وشخصيات اجتماعية على إلقاء كلمات أكدت على سلمية الحراك ووحدته ورفضه للطائفية.
ويشير الناشط حسام بدرخان إلى أن الاعتصام شهد منذ بداياته محاولات لتنظيم الحماية الذاتية، عبر إنشاء حواجز بدائية عند مداخل الساحة ومنع إدخال أي نوع من السلاح، إضافة إلى تشكيل لجان تفتيش، في حين جرى تنظيم توزيع المياه والطعام بشكل جماعي، في مشهد يعكس مستوى عالياً من التنظيم الأهلي.
وفي السياق ذاته، يوضح مشاركون أن الشعارات التي رُفعت خلال الاعتصام بقيت في إطار المطالب الإصلاحية في بدايتها، حيث تركزت على إقالة محافظ حمص، قبل أن تتطور تدريجياً مع سقوط مزيد من الضحايا لتصل إلى المطالبة بإسقاط النظام.
ويؤكد الدكتور علي ملحم أن الحراك في تلك المرحلة اتسم بطابع وطني جامع، نافياً الروايات التي حاولت تصويره كحراك ذي بعد طائفي، ومشيراً إلى أن التخويف الطائفي كان أداة استخدمت لاحقاً لتشويه صورة الاحتجاجات.
ومع حلول المساء، بدأت تظهر مؤشرات التوتر، حيث تحدث شهود عن رسائل وتهديدات وصلت إلى المعتصمين بضرورة إنهاء الاعتصام، في وقت جرت فيه محاولات تفاوض عبر شخصيات دينية واجتماعية.
ويكشف العميد المنشق إبراهيم الجباوي أن اللجنة الأمنية في حمص عقدت اجتماعاً بحضور قيادات من مختلف الأجهزة، حيث صدرت تعليمات مباشرة من دمشق بفض الاعتصام “بأي شكل من الأشكال”، مشيراً إلى تكليف ضابط ارتباط للتواصل مع المعتصمين، في حين رفضت السلطات مقترحات لفض الاعتصام بشكل سلمي.
وفي رواية متقاطعة، يذكر العقيد المنشق ماهر الفاضل أن الشيخ سهل جنيد دخل إلى الساحة قرابة الساعة العاشرة ليلاً داعياً المعتصمين إلى المغادرة، حيث استجاب قسم منهم، بينما بقي آخرون مصرّين على الاستمرار.
ومع اقتراب منتصف الليل، بدأت قوات الأمن بتطويق الساحة، وفق ما أكده الناشط “أبو علاء الحمصي”، الذي أشار إلى أن إطلاق النار بدأ بشكل تدريجي من طلقات تحذيرية في الهواء، قبل أن يتحول إلى استهداف مباشر للمتظاهرين في الشوارع الفرعية.
وشكلت لحظة فض الاعتصام ذروة الحدث، إذ تشير معظم الشهادات إلى أن الهجوم بدأ بين الساعة الواحدة والنصف والثانية فجراً، حيث فُتح الرصاص بكثافة من عدة اتجاهات، بما في ذلك من أسطح الأبنية المحيطة بالساحة.
ويصف الجباوي المشهد بأن إطلاق النار جاء بإيعاز مباشر من عناصر ميدانية تابعة للأجهزة الأمنية، قبل أن يتحول إلى جبهة نار مفتوحة فيما يؤكد مشاركون أن بعض المخارج تُركت مفتوحة لدفع المعتصمين نحوها واستهدافهم أثناء الفرار.
في تلك اللحظات، سادت حالة من الفوضى والذعر، حيث ركض المعتصمون في مختلف الاتجاهات بحثاً عن ملاذ آمن، وسقط عدد كبير من الضحايا بين شهيد وجريح.
ويستعيد الدكتور ملحم مشاركته في إسعاف عدد من المصابين باستخدام وسائل بدائية، في ظل غياب أي تجهيزات طبية، مشيراً إلى صعوبات كبيرة واجهت الجرحى في الوصول إلى المستشفيات، وسط تقارير عن امتناع بعض المرافق الطبية عن استقبالهم.
وفي أعقاب الهجوم، بدأت عمليات إزالة آثار الاعتصام بشكل سريع، حيث تحدث شهود عن قيام عمال البلدية بتنظيف الساحة من الدماء والزجاج منذ ساعات الصباح الأولى، في محاولة لطمس معالم ما جرى كما أشار ناشطون إلى استخدام آليات لإزالة الخيام ومخلفات الاعتصام، في حين نُقلت الجثث إلى جهات مجهولة، ما ساهم في تعقيد عملية التوثيق.
على المستوى السياسي والاجتماعي، مثّل اعتصام ساحة الساعة نقطة كسر واضحة لحاجز الخوف، ورسّخ انتقال الحراك من مرحلة الاحتجاجات المحدودة إلى مرحلة أكثر تنظيماً واتساعاً. ويرى مشاركون أن الحدث لعب دوراً محورياً في دفع مزيد من السوريين للانخراط في الثورة، كما ساهم في تشكيل نواة العمل التنسيقي الذي تطور لاحقاً في مختلف المحافظات.
كما أسهمت المجزرة في إعادة تشكيل المشهد داخل حمص، حيث خرجت تظاهرات أوسع بعد أيام قليلة، أبرزها في الثاني والعشرين من نيسان، في ما عُرف بـالجمعة العظيمة، تأكيداً على استمرار الحراك رغم القمع. ويؤكد ناشطون أن ما جرى في ساحة الساعة لم يؤدِ إلى تراجع الاحتجاجات، بل على العكس، زاد من حدّتها واتساعها، ورسّخ قناعة لدى شريحة واسعة من السوريين بأن المواجهة مع النظام دخلت مرحلة جديدة.
وبعد مرور سنوات، بقيت ساحة الساعة رمزاً مركزياً في الذاكرة السورية، ليس فقط باعتبارها موقعاً لحدث دموي، بل بوصفها لحظة تأسيسية أعادت تعريف العلاقة بين الشارع والسلطة، وأعطت للثورة السورية أحد أبرز عناوينها وفي الذكرى الخامسة عشرة، عاد أهالي حمص إلى الساحة لإحياء الحدث، مؤكدين استمرارية رمزيته في الوعي الجمعي، حيث أُقيمت فعاليات شعبية ورسمية، وأُعيد التأكيد على أن ما جرى في ذلك اليوم لا يزال يشكل مرجعية أساسية لفهم مسار الثورة وتحوّلاتها.