طفولة على حافة القلق: تداعيات البيئة غير المستقرة على الأطفال
طفولة على حافة القلق: تداعيات البيئة غير المستقرة على الأطفال
● مجتمع ٢٣ أبريل ٢٠٢٦

طفولة على حافة القلق: تداعيات البيئة غير المستقرة على الأطفال

لم تنتهِ معاناة العائلات السورية النازحة مع عودتها إلى مناطقها بريفي إدلب الشرقي والجنوبي، وريف حماة الشمالي، التي هجّرت منها لسنوات طويلة، إذ اصطدمت بعد العودة بجملة من التحديات التي انعكست سلباً على حياتها، وأدت إلى تداعيات مختلفة.

وقد صعّبت هذه التحديات على العائلات ممارسة حياتها بشكل طبيعي، وحرمت الأهالي من الشعور بالأمان والاستقرار، وكانت من بين أكثر الفئات تأثراً الأطفال، خاصة أنهم يعيشون مع عائلاتهم في بيئة تفتقر إلى مقومات الاستقرار والأمان.

ومن بين هذه العقبات، تراكم الأنقاض في كثير من القرى والبلدات نتيجة القصف، ما أدى إلى عدة آثار سلبية، منها صعوبة الحركة من مكان إلى آخر، واحتمال وجود مخلفات خطرة بينها، إضافة إلى انتشار أمراض مثل اللشمانيا ومشكلات صحية أخرى، كما حرمت هذه الأنقاض الأطفال من اللعب بحرية، وأثارت قلق عائلاتهم عليهم.

في الوقت ذاته، يعاني الأهالي من مشكلة وجود مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، وقد سُجّلت سابقاً حوادث انفجار أدت إلى إصابات بالغة ومقتل أشخاص، ما أثّر على الأهالي والأطفال، وزاد من مخاوفهم، خاصة مع انتشار هذه المخلفات بين الأحياء السكنية وفي الأراضي الزراعية ومناطق أخرى، ما يجعل الخطر قائماً بشكل دائم.

ولم تتوقف هذه التحديات عند هذا الحد، بل شملت أيضاً ضعف الخدمات الأساسية، مثل نقص المياه والخدمات الطبية والكهرباء، إلى جانب ظروف معيشية وخدمية صعبة، ما زاد من معاناة الأهالي، وأثّر على قدرتهم على تأمين احتياجاتهم اليومية، في ظل محدودية الإمكانيات وغياب البنية التحتية المناسبة، الأمر الذي انعكس على مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك الصحة والتعليم والاستقرار العام داخل الأسر.

وفي السياق ذاته، يعيش العديد من الأطفال مع عائلاتهم في مساكن مؤقتة تفتقر إلى أدنى مقومات الحماية، مثل الخيام والكرافانات والمنازل المسقوفة بعوازل وشوادر، بسبب الفقر الشديد، وقد عانى هؤلاء الأطفال خلال فصل الشتاء من البرد وتسرب المياه إلى مساكنهم.

وفي هذا الإطار، قال زياد عدنان زيدان، عضو اللجنة المجتمعية ورئيس لجنة الإغاثة والإحصاء، في شهادة سابقة لشبكة شام الإخبارية، إن منزله مدمر بالكامل، وكذلك المنطقة المحيطة به، مشيراً إلى أنه اضطر للعيش مع أطفاله في خيمة، رغم أن أسرته تتكون من ثمانية أفراد.

وأضاف أن العيش داخل الخيمة صعب جداً، خاصة خلال فصل الشتاء، حيث يعاني من الأمطار والعواصف، لافتاً إلى أنه واجه مواقف قاسية، منها تطاير الخيمة بفعل الرياح ليلاً أثناء نوم أطفاله، ما جعله في حيرة من أمره حول كيفية حمايتهم، إلى جانب معاناته من الفقر وغياب فرص العمل.

ولا تقتصر هذه التحديات على آثارها المعيشية والخدمية، بل تمتد لتنعكس بشكل مباشر على الحالة النفسية للأهالي، ولا سيما الأطفال، الذين يتأثرون بهذه الضغوط اليومية، ما ينعكس على شعورهم بالأمان واستقرارهم النفسي.

وقالت المعالجة النفسية صهباء الخضر، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الأطفال الذين يعيشون في ظروف تفتقر إلى الأمان والخدمات، مثل وجود مخاطر كالألغام، أو مدارس غير مجهزة، أو غياب أماكن اللعب، قد يتأثرون نفسياً بعدة طرق، أبرزها الشعور المستمر بالخوف والقلق نتيجة غياب الإحساس بالأمان، إلى جانب التحذيرات المستمرة من البالغين.

وأضافت أن هذه الظروف تساهم في زيادة التوتر والعصبية وسرعة الانفعال، وكلما طالت مدة بقاء الطفل في بيئة غير آمنة، ازداد مستوى القلق لديه، وقد يؤدي ذلك إلى تطور أنماط شخصية مضطربة في المستقبل، قد تكون مؤذية لنفسها أو للآخرين.

وأشارت إلى إمكانية حدوث اضطرابات في النوم، مثل الأرق أو الكوابيس، إلى جانب تراجع الشعور بالطفولة الطبيعية، نتيجة اضطرار الطفل لتحمل مسؤوليات أو ضغوط تفوق عمره، كما قد يظهر لدى بعض الأطفال انسحاب اجتماعي أو سلوك عدواني أو فرط نشاط، كرد فعل على الضغوط التي يعيشونها.

وأكدت الخضر أن التركيز يصبح أكثر صعوبة، وقد ينخفض الأداء الدراسي بسبب القلق أو عدم توفر بيئة تعليمية مناسبة، خاصة في المدارس غير المهيأة أو الكرفانات التي لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف.
أما على صعيد العلاقات الاجتماعية، فقد يصبح الطفل أقل ثقة بالآخرين أو يجد صعوبة في تكوين صداقات مستقرة، أو على العكس، قد يبحث عن الأمان في علاقات قوية مع أقرانه، ما قد يؤدي إلى أنماط تعلق غير صحية.

واقترحت الخضر مجموعة من استراتيجيات التكيف، في مقدمتها العمل على إعادة تأهيل المدارس والقرى لتكون بيئات آمنة وخالية من الأنقاض ومخلفات الحرب، مؤكدة أن من حق الأطفال النمو في بيئة آمنة، والانتقال من حياة النزوح إلى حالة من الاستقرار.

كما نوهت إلى أهمية بناء روتين يومي واضح، لما له من دور في تعزيز شعور الطفل بالأمان، إلى جانب إنشاء مساحات آمنة وحدائق مخصصة للأطفال، والتركيز في المدارس على الأنشطة غير الصفية التي تدعم الجانب النفسي وتساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم.

وشددت في ختام حديثها على ضرورة الاهتمام بهوايات الأطفال وتنميتها، بما يساعدهم على التعبير عما يشعرون به بطريقة صحية تلائم أعمارهم، إلى جانب أهمية توفير مختصين نفسيين في المدارس لدعم الأطفال وأسرهم، ومساعدتهم على تجاوز الآثار النفسية الناتجة عن تجارب الحرب أو صعوبات التكيف مع واقع جديد.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ