ضغوط سنوات الحرب تترك آثاراً واسعة على الصحة النفسية للسوريين وتبرز الحاجة إلى الدعم النفسي
تركت سنوات الحرب وما رافقها من عنف ونزوح وخسائر إنسانية آثاراً نفسية عميقة لدى شريحة واسعة من السوريين، وسط تحذيرات متزايدة من اتساع الاضطرابات النفسية وارتفاع الحاجة إلى خدمات الدعم والعلاج النفسي، في وقت تؤكد فيه تقارير دولية أن النزاعات الممتدة تترك آثاراً طويلة الأمد على الصحة النفسية للسكان.
وفي هذا السياق أكد مدير إدارة الصحة النفسية في وزارة الصحة السورية وائل الراس، أن الضغوط المتراكمة التي عاشها السوريون خلال السنوات الماضية تركت تأثيرات واضحة على الصحة العامة، وخاصة من الناحية النفسية.
وأشار الراس إلى أن نشر ثقافة الطب النفسي بات ضرورة أساسية لتقليص ما يعرف بـ "الفجوة العلاجية"، وتحسين قدرة المجتمع على التعافي.
وبيّن الراس أن الخبرة السريرية والدراسات الميدانية تشير إلى انتشار عدد من الاضطرابات النفسية، في مقدمتها اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD)، والاكتئاب، واضطرابات القلق، إلى جانب مشكلات النوم وسوء استخدام المواد المهدئة.
وحذر الراس من بعض العادات اليومية التي تسهم في تفاقم هذه الاضطرابات، مثل العزلة الاجتماعية والسهر الطويل والإفراط في متابعة الأخبار السلبية وقلة النشاط البدني، إضافة إلى استخدام الأدوية المهدئة دون استشارة طبية، موضحاً أن هذه السلوكيات تضعف قدرة الفرد على التكيف النفسي وتزيد من حدة القلق والاكتئاب.
وأكد الراس أن الوقاية والتعافي يعتمدان بدرجة كبيرة على تبني نمط حياة صحي، يتضمن النوم المنتظم وممارسة النشاط البدني وتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، إضافة إلى طلب المساعدة الطبية المتخصصة في وقت مبكر عند ظهور الأعراض.
منظمة الصحة العالمية: واحد من كل خمسة سوريين يعاني اضطرابات نفسية
وتشير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن سورياً واحداً من كل خمسة سوريين يعاني من اضطرابات نفسية متوسطة أو خفيفة مثل الاكتئاب والقلق، نتيجة الضغوط المتراكمة المرتبطة بسنوات الحرب والنزوح والظروف المعيشية الصعبة.
كما تقدّر المنظمة أن واحداً من كل 30 سورياً يعاني من اضطرابات نفسية شديدة مثل الاكتئاب الحاد أو الذهان، وهي حالات تتطلب تدخلاً علاجياً متخصصاً.
وتؤكد المنظمة أيضاً أن ملايين السوريين يحتاجون إلى خدمات دعم نفسي واجتماعي ضمن الاستجابة الصحية للأزمة الإنسانية، في ظل التأثيرات الممتدة للحرب على الصحة النفسية للسكان.
دراسات بحثية توثق انتشار اضطراب ما بعد الصدمة
وأظهرت مراجعات علمية نشرت في دراسات دولية، منها أبحاث منشورة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (PubMed Central)، أن معدلات اضطراب ما بعد الصدمة بين السوريين تراوحت بين 16 و84 في المئة، في حين تراوحت معدلات الاكتئاب بين 11 و49 في المئة نتيجة التعرض المباشر للحرب والنزوح والضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
كما أظهرت دراسة واسعة حول الصحة النفسية خلال سنوات الحرب أن 44 في المئة من المشاركين يعانون اضطرابات نفسية شديدة، بينما ظهرت أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بشكل كامل لدى نحو 36.9 في المئة منهم.
تقارير أممية: اللاجئون السوريون أكثر عرضة للقلق والاكتئاب
وفي السياق ذاته، تشير تقارير صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) إلى أن اللاجئين السوريين يعانون مستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، نتيجة التعرض للعنف وفقدان الاستقرار والضغوط المعيشية.
وتظهر دراسات تناولت اللاجئين السوريين أن نحو 34.7 في المئة يعانون من الاكتئاب، و36.1 في المئة من القلق، و19.6 في المئة من اضطراب ما بعد الصدمة.
آثار نفسية طويلة الأمد على الأطفال
كما تحذر تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) من أن الأطفال الذين نشؤوا في بيئات النزاع يواجهون آثاراً نفسية طويلة الأمد، تشمل القلق المزمن واضطرابات النوم وصعوبات التكيف الاجتماعي، إضافة إلى تأثيرات على التحصيل الدراسي والسلوك الاجتماعي.
الحاجة إلى توسيع خدمات الدعم النفسي
وتعكس هذه المؤشرات، وفق تقارير دولية، حجم التحديات التي تواجه قطاع الصحة النفسية في سوريا، في ظل الحاجة إلى توسيع خدمات الدعم النفسي وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية العلاج المبكر.
ويرى مختصون أن التعامل مع آثار الحرب النفسية يتطلب برامج طويلة الأمد تشمل الدعم النفسي المجتمعي، وتوسيع خدمات العلاج النفسي، وتدريب الكوادر المتخصصة، بما يسهم في مساعدة المجتمع على تجاوز آثار سنوات الصراع والوصول إلى مرحلة التعافي.