حين لا تكتمل فرحة العيد عند بعض الأطفال في سوريا
حلّ عيد الأضحى المبارك، وامتلأت الساحات والأحياء بفرحة الأطفال الذين خرجوا بملابس العيد الجديدة، يلعبون ويجوبون المكان ببهجة، فيما يقف آخرون جانباً يراقبون أقرانهم بحزن، بعدما لم يتمكنوا من الحصول على زيّ العيد واكتفوا بملابسهم القديمة بسبب ضعف القدرة المادية لعائلاتهم، ليجدوا أنفسهم خارج أجواء الفرح التي يعيشها من حولهم.
تضطر كثير من الأسر في سوريا، في ظلّ الظروف الاقتصادية القاسية التي تعيشها، إلى تقليص نفقاتها إلى الحدّ الأدنى، ما يدفعها إلى الاستغناء عن بعض الاحتياجات غير الأساسية أو تأجيلها، ومن بينها شراء ملابس العيد للأطفال، سواء بسبب ضعف القدرة المادية أو نتيجة توجيه ما يتوفر من دخل لتأمين متطلبات أكثر إلحاحاً كالغذاء والدواء.
وفي محاولة لتعويض غياب الملابس الجديدة، تلجأ بعض الأمهات إلى حلول بديلة، حيث يعتمدن على الملابس القديمة بعد غسلها وترتيبها بعناية لتبدو بحالة أفضل، أو يقمن بالحصول على ملابس مستعملة من أقارب أو معارف بعد الاستغناء عنها، بما يساهم في تأمين مظهر لائق لأطفالهن في العيد ولو بالحدّ الأدنى الممكن، ويخفف عنهم شعور النقص أمام أقرانهم.
قد يظن البعض أن عدم شراء كسوة العيد الجديدة للأطفال أمر عادي ولا يترك أثراً يُذكر، إلا أن هذا التصور لا يعكس الواقع النفسي لدى الطفل، إذ إن أجواء العيد في مخيلته ترتبط ارتباطاً مباشراً بالمظاهر الجديدة والحلوى والأجواء الاحتفالية، ما يجعل غياب هذه التفاصيل بالنسبة له تجربة مؤثرة قد تنعكس على مشاعره ونظرته لنفسه، خاصة عند مقارنته بأقرانه.
وفي هذا الإطار، قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل في منصة نفسجي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العيد في مجتمعنا يرتبط شرطياً بـ “الجديد”، وعندما يُحرم الطفل من هذا الطقس ويرى أقرانه في الحارة أو الأقارب بكامل زينة العيد فإنه يمر بهزات نفسية صامتة لكنها عميقة.
وأشارت إلى أن شعور النقص والدونية (Inferiority Complex) يتشكل في مراحل النمو الأولى، حيث يربط الطفل قيمته الذاتية بالمظاهر المادية الملموسة، فيترجم غياب الملابس الجديدة على أنه “أنا أقل من الآخرين” أو “أنا لا أستحق”.
وأضافت أن ألم المقارنة الاجتماعية يكون حاضراً بقوة، إذ يجد الطفل نفسه في مقارنة غير عادلة، فيسأل: “لماذا ابن جيراننا أو ابن عمي لديه وأنا لا؟”، وهنا قد يتسلل إليه شعور بالظلم أو الغيرة، لافتة إلى أن هذه المشاعر طبيعية في هذا السياق لكنها مؤلمة.
كما نوهت في تصريح خاص لـ شام إلى أن الحرج والانكفاء الاجتماعي يتجلى فيما وصفته بـ “قلق الضياع الاجتماعي”، حيث يفضّل الطفل الانسحاب والانعزال في المنزل أيام العيد خوفاً من نظرات الشفقة أو من أسئلة الأطفال العفوية والمؤذية أحياناً: “ليش ما لبست جديد اليوم؟”.
وبيّنت أن على المدى القريب تظهر تغيرات سلوكية مثل الانفعال السريع، العناد، البكاء على أسباب بسيطة أو الصمت الطويل والاكتئاب المؤقت خلال أيام العيد، بينما على المدى البعيد، وإذا تكرر الحرمان دون احتواء، قد تتشكل لدى الطفل “هوية سلبية عن الذات” قائمة على العجز.
أو قد ينشأ بحسد اجتماعي أو شعور ناقم على المحيط، أو على العكس قد ينشأ بشخصية استرضائية تحاول تعويض النقص المادي بأي ثمن، مؤكدة أنه في المقابل، ومن واقع السياق السوري، فإن احتواء الطفل نفسياً يمكن أن يحول هذه التجربة إلى عامل لصقل “المرونة النفسية” (Resilience)، شرط أن يفهم أن السبب ظرف خارجي وليس عيباً فيه أو في أسرته.
وأشارت إلى أن الدور الأكبر يقع على عاتق الوالدين في إعادة صياغة مفهوم العيد، بحيث يُشحن في غياب الإمكانيات المادية بالعاطفة، لافتة إلى ضرورة تجنب لوم الذات أو الشكوى المستمرة أمام الطفل، لأن إظهار العجز أو الحزن بشكل مبالغ فيه يضاعف شعوره بعدم الأمان.
وأضافت أن من المهم شرعنة مشاعر الطفل والتعاطف معها، فبدلاً من إنكار حزنه بقول “ليست مشكلة، الملابس ليست مهمة”، يُفضل قول: “أعلم أنك حزين لأنك كنت تتمنى ملابس جديدة، وأنا كنت أتمنى ذلك أيضاً، حقك أن تزعل، لكننا معاً وسنعوضها”، كما شددت على أهمية فصل القيمة الإنسانية عن المظاهر وتعزيز فكرة أن قيمة الطفل نابعة من داخله ومن حب أسرته له وليس من مظهره الخارجي.
وذكرت أنه يمكن للأسر، رغم الظروف، ابتكار وسائل بسيطة لدعم فرحة الطفل في العيد، مثل إعادة تدوير المتاح بذكاء عبر غسل الملابس وتجهيزها مع إضافة لمسة بسيطة تمنح شعوراً بالتجديد، أو طقس “شراء البديل” عبر شراء شيء صغير جداً وإشراك الطفل فيه ليشعر بمتعة الاختيار.
كما لفتت إلى أهمية ابتكار بهجة بديلة لا تكلف مالاً مثل تزيين المنزل وتحضير الحلويات البسيطة وتشغيل أجواء العيد، لما لذلك من أثر أقوى في ذاكرة الطفل من المظاهر الخارجية.
وأضافت أن إدارة الزيارات والخروج تحتاج إلى حكمة عبر اختيار بيئات تقل فيها المقارنات الاجتماعية الحادة، مع تعزيز الروابط العاطفية داخل الأسرة من خلال اللعب والاحتواء والاستماع، معتبرة أن هذا الرصيد العاطفي يعمل كـ “ممتص صدمات” (Buffer) يحمي الطفل من أثر المقارنات الخارجية، وأكدت أن غياب الثوب الجديد مؤلم، لكن غياب الأمان والدعم النفسي داخل الأسرة هو الأكثر تأثيراً في كسر الذات.
يؤكد مختصون تربويون أن بناء تجربة العيد لدى الطفل لا يعتمد فقط على المظهر الخارجي، بل على الأجواء العاطفية داخل الأسرة، حيث يمكن للدعم النفسي والتفاعل الأسري أن يعوض جزئياً عن غياب بعض المظاهر المادية.
لا يقتصر تأثير ضعف القدرة المادية على غياب بعض مظاهر العيد، بل يمتد إلى مشاعر الأطفال وطريقة نظرتهم لأنفسهم، وهو ما يشير إليه مختصون في علم النفس من حيث انعكاس الظروف المعيشية على الحالة النفسية للطفل وتفاعله مع محيطه خلال المناسبات الاجتماعية، مع الإشارة إلى وجود ممارسات أسرية يمكن أن تخفف من حدة هذا التأثير.