حظيت بإعجاب صلاح الدين الأيوبي وتتميز بطعمها الشهي… حكاية طبق المقلوبة
تحرص الأسر السورية على إعداد مائدة إفطار غنية خلال شهر رمضان، مستفيدة من تنوّع المطبخ السوري وأطباقه التراثية الشهية، ومنها مقلوبة اللحمة او الدجاج والباذنجان التي تعد واحدة من أشهر المأكولات الشعبية في بلاد الشام، ولا سيما في سوريا وفلسطين.
تعدّدت الروايات حول منشأ هذه الأكلة وسبب تسميتها، إذ تشير إحدى الروايات إلى أن فلسطين كانت أول دولة عرفت المقلوبة، وكان يُطلَق عليها في الأصل اسم الباذنجانية نظراً لاعتماد الباذنجان كمكوّن أساسي فيها.
وتشير الرواية التي نقلها موقع الجزيرة إلى أنه عند فتح القائد صلاح الدين الأيوبي لمدينة القدس، احتفل السكان بالنصر وقدموا للجنود طبق الباذنجانية الذي نال إعجاب صلاح الدين الأيوبي بشكل خاص، وعندما استفسر عن اسمه وصفه بـ"مقلوبة"، نسبةً إلى الطريقة التقليدية لتقديمه التي تعتمد على قلب الطبق من وعاء الطهي إلى الصواني.
وفي رواية أخرى، يُقال إن هذا الطبق ظل يُعرف باسم الباذنجانية لفترة طويلة، إلا أنه مع إضافة مكونات أخرى أصبح يُعرف باسم المقلوبة، نظراً لطريقة تحضيره التقليدية التي توضع فيها طبقة الباذنجان في الأسفل واللحم او الدجاج وبعض الخضار، وفوقها الأرز، ثم يُكبس الطبق ويُقلب على الجهة الأخرى على صينية كبيرة .
تختلف طريقة إعداد المقلوبة من بلد إلى آخر في منطقة الشام تبعًا للعادات المحلية، مع احتفاظها بمكوناتها الأساسية التي يأتي في مقدمتها الباذنجان، إلى جانب الأرز واللحم أو الدجاج. ففي معظم الوصفات يُقلى الباذنجان أولًا، بينما تُضاف في بعض النسخ الشائعة، ولا سيما في فلسطين والأردن، مكونات أخرى مثل البطاطا والزهرة (القرنبيط)، بينما تضع بعض المناطق في سوريا البندورة أيضا.
كما تختلف طريقة ترتيب الطبقات من مطبخ إلى آخر، إلا أن الشكل الأكثر شيوعًا يبدأ بوضع اللحم أو الدجاج المسلوق في أسفل الوعاء، تليه طبقات الباذنجان والبطاطا والزهرة المقلية، ثم تُغطى بطبقة من الأرز المنقوع. وبعد اكتمال الطهي على نار هادئة حتى ينضج الأرز، يُقلب الوعاء في صينية كبيرة، ويُطرق برفق من الأسفل حتى تخرج المقلوبة متماسكة وتحافظ على شكلها الكامل.
وفي بعض العادات، يُنظر إلى خروج قالب المقلوبة كاملًا ومتناسقًا من دون أن يتفكك، على أنه دليل على مهارة الطاهي وإتقانه في إعداد هذا الطبق التراثي.
بينما تشير رواية ثالثة إلى أن أصول طبق المقلوبة تعود إلى العصر العباسي، حيث وردت وصفات مختلفة لإعداده في أهم كتابين للطبخ الصادرين في تلك الفترة، هما كتاب "الطبيخ وإصلاح الأغذية والمأكولات وطيّبات الأطعمة المصنوعات مما استُخرج من كتب الطب وألفاظ الطهاة وأهل اللب" لابن سيار الوراق، وكتاب الطبيخ للبغدادي.
يُعتبر كتاب الطبيخ لابن سيار الوراق من أقدم كتب الطبخ العربي، إذ كُتب بين عامي 940 و960 ميلادية، ما يؤكد أن أصوله تعود بالفعل إلى العصر العباسي.
خضعت المقلوبة لتعديلات خلال سنوات الثورة السورية لتتلاءم مع الظروف المادية لبعض الأسر، فقد لجأت النساء إلى تبسيط طريقة إعداد الطبق، مثل الاستغناء عن تزيينه بالفستق أو المكسرات، أو الاكتفاء بالباذنجان والخضروات والأرز والبهارات دون اللحم أحياناً، أو استخدام كمية محدودة منه، أو استبدال لحوم الغنم والبقر بلحم الفروج الأقل كلفة، بما يسمح بالحفاظ على الطعم التقليدي للطبق مع مراعاة الإمكانيات المتاحة.
ويبقى طبق المقلوبة من الأطباق الرمضانية المفضلة لدى كثير من الأسر السورية، لطعمه الشهي وشكله الجذاب الذي يزين المائدة، وحتى مع تبسيط مكوناته أحياناً لمراعاة الظروف المادية، يظل محتفظاً بسحره التقليدي.