بين التوجيه والقدوة… كيف يتعلم الطفل القيم الإنسانية؟
بين التوجيه والقدوة… كيف يتعلم الطفل القيم الإنسانية؟
● مجتمع ٢٣ يوليو ٢٠٢٦

بين التوجيه والقدوة… كيف يتعلم الطفل القيم الإنسانية؟

لا يتعلم الطفل القيم الإنسانية من خلال النصائح فقط، بل من خلال المواقف اليومية التي يعيشها داخل أسرته ومحيطه، فمساعدة الآخرين، واحترام من حوله، والالتزام بالقواعد، ليست مفاهيم يولد الطفل وهو يدركها، وإنما سلوكيات تتشكل تدريجياً مع التربية والتجربة والقدوة.


وتلعب السنوات الأولى دوراً مهماً في بناء شخصية الطفل وطريقة تعامله مع المجتمع، إذ إن ما يكتسبه من قيم في هذه المرحلة ينعكس لاحقاً على قدرته في تحمل المسؤولية، وتكوين علاقات صحية، والتفاعل مع الآخرين، لذلك، يصبح دور الأهل في غرس هذه المبادئ وتقديمها بطريقة تناسب عمر الطفل عاملاً أساسياً في نموه النفسي والاجتماعي.


قالت هيفين هوري، اختصاصية نفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الواجبات الإنسانية التي يمكن أن يتعلمها الطفل منذ سنواته الأولى هي مجموعة من السلوكيات التي تعكس وعيه بالآخرين وبالمجتمع المحيط به، وتشمل احترام الكبار، والاهتمام بالنظام والنظافة في البيئة التي يعيش فيها، وتقديم المساعدة لمن يحتاجها، إضافة إلى الالتزام بالقواعد التي تحافظ على سلامة الجميع.


وأضافت أن هذه الممارسات تُقدَّم للطفل كخبرات حياتية يومية يختبر من خلالها معنى التفاعل الاجتماعي، حيث يكتشف عند مشاركته فيها أن وجوده مرتبط بالآخرين وأنه قادر على أن يكون عنصراً فاعلاً في محيطه، وهو ما يعزز لديه الشعور بالمسؤولية والانتماء ويهيئه لبناء علاقات صحية في المستقبل.


وأشارت إلى أن القيم التي يحتاج الطفل إلى اكتسابها منذ سنواته الأولى تُعد الأساس الذي يبني عليه شخصيته وسلوكه لاحقاً، ومن أبرزها الصدق الذي يرسخ الثقة بين الطفل وأسرته ويمنحه شعوراً بالأمان الداخلي. 


ونوهت إلى أهمية الاحترام الذي يبدأ من احترام الذات ثم يمتد إلى احترام الآخرين، وهو ما ينعكس على قدرة الطفل في تكوين علاقات متوازنة، مشيرة إلى أن المسؤولية تتعزز من خلال تكليف الطفل بمهام صغيرة تناسب عمره، ليشعر بقدرته على الإنجاز ويطور حس الاعتماد على النفس. 


ولفتت إلى أن التعاطف، أي القدرة على فهم مشاعر الآخرين والتفاعل معها، يساعد الطفل على بناء شخصية اجتماعية ناضجة، وذكرت أن هذه القيم تُغرس من خلال الممارسة اليومية والتجارب التي يعيشها الطفل داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، وعندما تُزرع هذه المبادئ في وقت مبكر يصبح الطفل أكثر استعداداً لمواجهة تحديات الحياة بطريقة متوازنة وأكثر قدرة على تكوين علاقات صحية ومستقرة في المستقبل.


وتحدثت عن كيفية تعليم الطفل مساعدة الآخرين، موضحة أن ذلك يرتبط بمرحلة نموه وقدرته على الاستيعاب، ففي السنوات الأولى يمكن تشجيعه على مشاركة ألعابه أو المساهمة في ترتيب البيت، وهي خطوات بسيطة لكنها تغرس لديه معنى التعاون. 


وأوضحت أنه مع تقدمه في العمر يصبح قادراً على تحمل مسؤوليات أكبر مثل مساعدة زملائه في المدرسة أو المشاركة في نشاط جماعي، أما في مرحلة المراهقة فيمكن توجيهه نحو أنشطة تطوعية أو دعم أخ أصغر، مما يعزز لديه الشعور بالانتماء والوعي الاجتماعي. 


وأكدت أن الأساس في هذه العملية أن تكون المهام واقعية ومتناسبة مع قدرات الطفل، وأن يتلقى تعزيزاً إيجابياً عند القيام بها، لتتحول المساعدة إلى جزء من شخصيته وممارسة يومية تعكس نضجه النفسي والاجتماعي.


وشددت على أن هناك فرقاً بين التوجيه المباشر والقدوة، حيث يقوم التوجيه على الشرح واستخدام الكلمات لتوضيح المعنى، بينما تعتمد القدوة على الفعل والسلوك الذي يراه الطفل أمامه، وأفادت أن الطفل يتأثر بما يشاهده أكثر مما يسمع، فإذا طُلب منه التحلي بالصدق دون أن يرى ذلك مطبقاً في محيطه فإن الرسالة تفقد قوتها، مشيرة إلى أن القدوة تجعل القيم ملموسة وقابلة للتجربة، في حين يمنحها التوجيه تفسيراً ومعنى. 


وأضافت أن الجمع بين الطريقتين هو الأسلوب الأكثر فاعلية، إذ يترسخ المبدأ في وعي الطفل عبر الممارسة اليومية ويُدعم بالشرح الذي يوضح أهميته، ما يجعل التعليم عملية متكاملة تعزز النمو النفسي والاجتماعي للطفل وتمنحه أساساً متيناً لبناء شخصية متوازنة.


وبيّنت أن من أبرز الأخطاء التي يقع فيها بعض الأهل عند تعليم أطفالهم القيم الإنسانية الإفراط في الحماية ومنع الطفل من التجربة، مما يحد من قدرته على اكتساب مهارات حياتية أساسية، ولفتت إلى أن المقارنة السلبية مع الآخرين تُضعف الثقة بالنفس وتؤثر على صورة الطفل عن ذاته، كما أن الاعتماد على العقاب والصراخ بدلاً من التشجيع والتعزيز الإيجابي يؤدي إلى ترسيخ الخوف أو التمرد. 


وذكرت أن التناقض بين ما يقوله الأهل وما يفعلونه أمام الطفل يضعف مصداقية الرسالة التربوية ويجعل الطفل يعيش حالة من الارتباك الداخلي، مؤكدة أن هذه الأساليب قد تُنتج شخصية مترددة أو متمردة، في حين أن التربية القائمة على الاتساق بين القول والفعل، وعلى التشجيع والتجربة، تمنح الطفل بيئة صحية تساعده على النمو النفسي والاجتماعي بشكل متوازن.


وأكدت أن الطفل الذي ينشأ في بيئة تُغرس فيها القيم الإنسانية يكبر وهو أكثر قدرة على بناء علاقات صحية، وأكثر استعداداً لتحمل المسؤولية، وأقل عرضة للاضطرابات السلوكية، وأضافت أن هذه التربية تعزز لديه مهارات التكيف وتجعله قادراً على مواجهة ضغوط الحياة بطريقة ناضجة، لافتة إلى أن القيم التي يتعلمها في سنواته الأولى تصبح أساساً للكفاءة الاجتماعية، وهي ما يحدد نجاحه لاحقاً في العمل والعلاقات، ويمنحه القدرة على التفاعل مع المجتمع بشكل صحي ومتوازن.


في المحصلة، تسهم القيم الإنسانية التي يكتسبها الطفل في سنواته الأولى في تشكيل سلوكه وتفاعله مع محيطه، من خلال ما يتلقاه من توجيه وما يراه من قدوة، ضمن بيئة تقوم على التجربة والتفاعل اليومي، بما ينعكس على تطور شخصيته في المراحل اللاحقة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ