المجدرة السورية: طعام تراثي يوازن بين البساطة والفائدة الغذائية
تلجأ الأسر ذات الدخل المحدود إلى إعداد أطباق بسيطة خلال شهر رمضان، سعياً للموازنة بين مواردها المالية ومتطلبات الإنفاق اليومي، وفي هذا السياق يبرز طبق “المجدرة” كخيار اقتصادي لقلة تكلفته، واعتماده على مكونات متوفرة في معظم البيوت، كالعدس والحبوب، ما يجعله حاضراً بشكل متكرر على المائدة.
تُعدّ المجدرة من الأطباق المشهورة في المشرق العربي، ولا سيما في سوريا وفلسطين والعراق والأردن وقبرص، كما أنها أكلة تراثية ورد ذكرها في كتاب الطبيخ للمؤلف محمد بن حسن البغدادي عام 1226.
تختلف الآراء في سوريا حول طريقة إعداد المجدرة، فالبعض يفضل تحضيرها باستخدام البرغل وتُسمى مجدرة البرغل، بينما يفضل آخرون إعدادها بالأرز وتُعرف بمجدرة الأرز، ويعود الاختيار بينهما إلى ما اعتادت عليه كل أسرة أو ما يناسب مكوناتها المتاحة.
تتميز المجدرة بسهولة طبخها، ولا تحتاج إلى وقت طويل لتجهيزها، حيث تُحضَّر عبر طهي العدس أولاً حتى ينضج، ثم يُضاف إليه إما الأرز أو البرغل مع كمية مناسبة من الماء والملح، ويُترك الخليط على نار هادئة حتى يكتمل نضج المكونات ويصبح قوام الطبق متماسكاً.
وقبل التقديم يُقلى البصل جيداً بالسمنة أو الزيت حتى يكتسب اللون الذهبي، ثم يُستخدم كإضافة فوق الطبق، ما يمنح المجدرة مذاقها المميز ورائحتها المحببة.
غالباً ما تحرص السيدات في سوريا على تقديم المجدرة إلى جانب السلطة أو اللبن، كما يمكن أن تُقدَّم مع المخللات بمختلف أنواعها، ويؤكد كثيرون أن للمجدرة مذاقاً خاصاً عند تناولها مع المخللات، إذ تضيف نكهة مميزة إلى هذا الطبق البسيط.
وأحياناً لا تُعدّ المجدرة طبقاً مستقلاً بحد ذاته، إذ ينظر إليها كطبق مكمل للسمك المقلي، حيث تحرص بعض النساء على تحضيرها معه ضمن تقليد غذائي أصبح جزءاً من العادات المتوارثة لدى بعض بعض الأسر
أما أصل تسمية طبق المجدرة فيُعتقد أنه يعود إلى قصة متداولة في بلاد الشام، إذ كانت امرأة تطهو المجدرة لطفلتها المصابة بجدري الماء والتي كانت تتميز ببشرة شديدة البياض، وعندما انتهت من تحضيرها لاحظت أن شكل المجدرة يشبه كثيراً شكل طفلتها المريضة، فسمّيت بهذا الاسم وفقاً للرواية الشعبية المتداولة.
ويذكر أن السوريين يتداولون أقاويل وأمثال عن المجدرة، مثل "المجدرة أكلة مقدرة"، و"مسامير الركب، كما أنها غذاءً غنيّاً بالبروتين ومصدرًا جيدًا للعناصر المغذية، كما أنها خفيفة على المعدة نسبياً، وتسهم مكوناتها في دعم صحة الأعصاب، فضلاً عن احتوائها على الكالسيوم الذي يساعد في الحفاظ على قوة العظام.