العنف الأسري في المجتمع السوري: ما الذي يدفع إلى الصمت؟
العنف الأسري في المجتمع السوري: ما الذي يدفع إلى الصمت؟
● مجتمع ٦ يوليو ٢٠٢٦

العنف الأسري في المجتمع السوري: ما الذي يدفع إلى الصمت؟

تواجه بعض النساء في المجتمع السوري أشكالاً متعددة من العنف الأسري، في ظل تداخل عوامل اجتماعية وثقافية ونفسية، ما ينعكس على أساليب التعامل مع هذه القضايا داخل الأسرة، ومع استمرار بعض الممارسات المرتبطة بالصمت أو التستر، تبرز تساؤلات حول الأسباب التي تدفع إلى ذلك، ومدى تأثيره على الضحية، إلى جانب دور المفاهيم السائدة في تكريس هذه الظاهرة أو الحد منها.

أسباب الصمت داخل الأسرة: بين الضغوط الاجتماعية والخوف

في هذا السياق، قالت سُميّة محمد عبد الفتّاح، اختصاصية نفسية ومحاضِرة في قسم الإرشاد النفسي بجامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الأسباب التي تدفع بعض العائلات إلى إجبار المرأة على الصمت تجاه العنف الذي تتعرض له، سواء من قبل الزوج أو أحد أفراد الأسرة، ترتبط من منظور نفسي بمنظومة معقدة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية، مشيرةً إلى أن الصمت على العنف لا يعني الرضا به. 

وأضافت أن بعض الأسر تخشى الوصمة الاجتماعية أو انهيار صورة الأسرة أمام الآخرين، وتعتقد أن الحفاظ على "سمعة العائلة" بدلاً من حماية الضحية هو الحل الأكثر صحة، كما بينت أن بعض النساء يعانين من الخوف من تصاعد العنف إذا أبلغن عنه، أو من فقدان الدعم المادي، أو من حرمانهن من الأطفال، أو من التعرض للوم بدلاً من الحصول على المساندة، وبالتالي غياب الأمان العاطفي لديهن.

وأشارت إلى أن الخصوصية الأسرية قيمة مهمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لانتهاك الحقوق أو إيذاء الإنسان وإهانة كرامته، لاسيما عندما يصل الأمر إلى العنف الجسدي أو النفسي أو الجنسي أو الاقتصادي، إذ إن القضية لم تعد شأناً خاصاً، بل أصبحت تمس سلامة الإنسان وكرامته وصحته النفسية والجسدية. 

ولفتت إلى أنه من الناحية النفسية والاجتماعية، فإن استمرار الصمت يسمح باستمرار دائرة العنف، ويزيد من حدته مع مرور الوقت، ومع استمرار التعنيف قد تصل المرأة إلى حالة تُعرف في علم النفس بـ"العجز المتعلَّم"، حيث تشعر بأن محاولاتها لحماية نفسها لن تغير الواقع، فتفقد الإحساس بالقدرة على المواجهة، ويصبح الصمت بالنسبة إليها وسيلة للبقاء لا دليلاً على القبول، بينما يفتح طلب المساعدة الباب للحماية والعلاج وإيقاف الضرر. 

ونوهت إلى أنه لا يجوز أن تكون عبارة "البيوت أسرار" مبرراً لإخفاء الأذى أو منع الضحية من الوصول إلى الدعم، لاسيما الدعم المهني المرتبط بمعايير السرية والخصوصية، كما تحدثت الاختصاصية سمية عن دور العادات والتقاليد في هذا السياق، موضحةً أن بعض المعتقدات الاجتماعية الموروثة قد تمنح العنف شرعية غير مباشرة عندما تخلط بين القوامة أو السلطة وبين السيطرة والإيذاء.

وأكدت أن الخوف من كلام الناس أو من الوصمة قد يدفع الأسرة إلى مطالبة المرأة بالصبر، حتى وإن كان ذلك على حساب صحتها وسلامتها وأمانها، وذكرت أن الدراسات النفسية تشير إلى أن تطبيع العنف داخل الأسرة يؤدي إلى انتقاله عبر الأجيال، فالطفل الذي ينشأ في بيئة يعتبر فيها الضرب أو الإهانة وسيلة طبيعية لحل الخلافات قد يعيد إنتاج هذا السلوك مستقبلاً، سواء كمعنّف أو ضحية، مشددةً على أن جميع الأديان والقيم الإنسانية قامت على الرحمة والعدل وصون الكرامة، ولم تجعل العنف وسيلة للتربية أو لإدارة الحياة الزوجية والأسرية.

الآثار النفسية للعنف الأسري: تداعيات تمتد لسنوات

وبينت أن العنف الأسري يُعد من أكثر التجارب الصادمة التي تؤثر على الصحة النفسية للمرأة، إذ تمتد آثاره إلى الجوانب الانفعالية والمعرفية والسلوكية والاجتماعية، وقد تستمر لفترات طويلة حتى بعد توقف العنف، وأفادت بأن الأدبيات النفسية تشير إلى أن شدة هذه الآثار تتأثر بنوع العنف ومدته وتكراره، إضافة إلى مستوى الدعم الاجتماعي الذي تتلقاه المرأة أو مدى غيابه عنها.

وأوضحت أن من أبرز هذه التداعيات الاكتئاب، حيث يُعد من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً لدى النساء المعرضات للعنف الأسري، ويتجلى في الحزن المستمر، وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، والشعور باليأس، وانخفاض الدافعية، واضطرابات في النوم تشمل الأرق والكوابيس، وصعوبة التركيز، مما ينعكس على مختلف جوانب حياتها، وقد يؤدي إلى أفكار انتحارية أو إيذاء الذات في الحالات الشديدة. 

وأضافت أن اضطرابات القلق من بين الآثار الشائعة أيضاً، وتشمل القلق المعمم، ونوبات الهلع، والخوف المستمر، والتوتر المفرط، والشعور بعدم الأمان، والترقب الدائم لحدوث اعتداء جديد، وأشارت إلى اضطراب ما بعد الصدمة، موضحةً أنه يتمثل في استرجاع متكرر للأحداث المؤلمة، والكوابيس، وتجنب المواقف المرتبطة بالعنف، وفرط اليقظة والاستثارة الانفعالية.

ولفتت إلى أن العنف المتكرر يؤدي كذلك إلى انخفاض تقدير الذات، وتكوين صورة سلبية عنها، والشعور بالدونية، وفقدان الثقة بالنفس والقدرات الشخصية، إذ تميل بعض النساء إلى تحميل أنفسهن مسؤولية ما تعرضن له نتيجة الضغوط الاجتماعية أو التلاعب النفسي من قبل المعنّف، مما يزيد من معاناتهن النفسية. 

ونوهت إلى إمكانية تشكل حالة من "العجز المتعلَّم"، حيث تصل المرأة إلى مرحلة تعتقد فيها أن محاولات تغيير واقعها أو طلب المساعدة غير مجدية، فتستسلم للعنف وتفقد الشعور بالقدرة على السيطرة على حياتها، وتابعت أن من الآثار أيضاً العزلة الاجتماعية، حيث تنسحب المرأة من محيطها الاجتماعي، وتقل مشاركتها في الأنشطة بسبب الخوف أو الشعور بالخجل أو نتيجة سيطرة المعتدي، إضافة إلى انخفاض جودة الحياة والرفاه النفسي، وتأثر قدرتها على التكيف وإقامة علاقات صحية وتحقيق الشعور بالأمان والرضا عن الحياة.

وأكدت أن الحد من العنف الأسري يتطلب اتباع نهج متكامل يجمع بين الجوانب النفسية والاجتماعية والقانونية، ويتطلب اعتماد مجموعة من الآليات الوقائية والعلاجية التي تستند إلى مبادئ علم النفس والإرشاد الأسري، وشددت على أنه من الناحية النفسية، يسهم تعزيز الوعي بمهارات التواصل الفعّال، وتنظيم الانفعالات، وإدارة الغضب، وحل النزاعات بصورة بنّاءة في تقليل السلوكيات العنيفة داخل الأسرة، كما يؤدي تقديم خدمات الإرشاد والعلاج النفسي للأفراد والأسر إلى معالجة المشكلات النفسية والسلوكية التي قد تزيد من احتمالية وقوع العنف.

وبيّنت أنه من الناحية الاجتماعية، تساهم برامج التوعية، وتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل، ودعم الأسرة في تخفيف العنف بكافة أشكاله، وأوضحت أنه من الناحية القانونية، فإن تطبيق القوانين الرادعة وتوفير آليات فعّالة للإبلاغ عن حالات العنف، وضمان حماية الضحايا، تُعد إجراءات ضرورية للحد من هذه الظاهرة. 

كما أشارت إلى أن التعاون بين المؤسسات الصحية والنفسية والاجتماعية والتعليمية والقضائية يمثل عنصراً أساسياً في الوقاية من العنف الأسري والحد من آثاره على الأفراد والأسرة والمجتمع.

يرتبط التعامل مع العنف الأسري بجملة من العوامل المتداخلة ذات الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية، في ظل استمرار النقاش حول حدود الخصوصية الأسرية ودورها في مثل هذه الحالات، مع تباين المقاربات المطروحة للتعامل معها.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 
الكلمات الدليلية:

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ