استمرار الغلاء وتقلبات الليرة يضعان الاقتصاد السوري أمام تحديات متزايدة
استمرار الغلاء وتقلبات الليرة يضعان الاقتصاد السوري أمام تحديات متزايدة
● اقتصاد ٥ يوليو ٢٠٢٦

استمرار الغلاء وتقلبات الليرة يضعان الاقتصاد السوري أمام تحديات متزايدة

تشهد الأسواق السورية حالة من الاضطراب الاقتصادي مع استمرار ارتفاع الأسعار، وتراجع أدوات ضبط الأسواق، وتزايد الضغوط على سعر صرف الليرة، في وقت يحذر فيه خبراء اقتصاديون من أن المرحلة المقبلة ستتطلب إجراءات حكومية أكثر فاعلية للحفاظ على الاستقرار النقدي والحد من موجات التضخم.

ويبرز غياب الدور التدخلي للمؤسسة السورية للتجارة كأحد أبرز الملفات المطروحة، بعدما فتح المجال أمام التجار للتحكم بالأسعار في ظل غياب المنافسة الحكومية المباشرة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية للمواطنين، رغم توفر معظم السلع في الأسواق.

ويرى أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة أن ما يعرف بـ"التدخل الإيجابي" لم يعد موجوداً بعد تراجع دور المؤسسة السورية للتجارة، مؤكداً أن الأسواق باتت تدار وفق قرارات التجار، في ظل غياب رقابة حقيقية على مستويات الأسعار، واقتصار عمل الجهات الرقابية على متابعة الإعلان عن الأسعار، ومكافحة الغش، والتأكد من مطابقة المواد للمواصفات الصحية.

وأوضح حبزة أن التحول إلى اقتصاد السوق الحر جعل المستهلك يواجه السوق منفرداً، مشيراً إلى أن بعض التجار باتوا يتعاملون مع الزبائن بأساليب وصفها بأنها تفتقر إلى المهنية، مطالباً بإعادة تفعيل الرقابة على الأسواق، ووضع آلية واضحة لتحديد هوامش الأرباح بما يحد من الممارسات الاحتكارية ويخفف من أعباء الغلاء.

وفي موازاة ذلك، لا تزال عملية استبدال العملة تفرض تحديات جديدة على السوق، إذ يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي إبراهيم نافع قوشجي أن حذف الأصفار من الليرة السورية لم يكتمل فعلياً، لأن الأسواق ما تزال تعتمد في التسعير على النظام النقدي القديم، بينما يجري التداول بالعملة الجديدة، ما خلق ازدواجية بين آلية التسعير والتعامل النقدي اليومي.

وأشار إلى أن غياب الفئات النقدية الصغيرة للعملة الجديدة يحد من دقة التسعير ويجعل تنفيذ كثير من المعاملات اليومية أكثر صعوبة، مؤكداً أن نجاح عملية الإصلاح النقدي يتطلب إعادة هيكلة منظومة التسعير بالكامل، وليس الاكتفاء باستبدال الأوراق النقدية.

وفي ملف سعر الصرف، أكد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد أن الاقتصاد السوري يحتاج سنوياً إلى ما بين 12 و15 مليار دولار لتغطية احتياجاته، في حين لا تتجاوز موارده الفعلية من القطع الأجنبي 3 إلى 4 مليارات دولار، ما يخلق فجوة تمويلية تتراوح بين 8 و10 مليارات دولار سنوياً، تشكل أحد أهم أسباب استمرار الضغوط على الليرة.

وأوضح أن فاتورة استيراد المشتقات النفطية والغاز تستحوذ على أكثر من 3 إلى 4 مليارات دولار سنوياً، بينما تحتاج المواد الغذائية الأساسية إلى نحو 2.5 مليار دولار، إضافة إلى احتياجات القطاعين الصناعي والزراعي لاستيراد المواد الأولية والأسمدة وقطع الغيار، فضلاً عن الطلب المتزايد على الدولار لأغراض الادخار نتيجة تراجع الثقة بالعملة المحلية.

وبيّن أن الصادرات السورية وتحويلات المغتربين والاستثمارات الأجنبية لا تزال دون مستوى الاحتياجات الفعلية، الأمر الذي يبقي سوق القطع الأجنبي تحت ضغط مستمر.

ومع اقتراب انتهاء مهلة استبدال العملة، حذر أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب الدكتور حسن حزوري من احتمالات استغلال المواطنين من قبل بعض الوسطاء وشركات الصرافة نتيجة ارتفاع الطلب على العملة الجديدة، داعياً إلى توسيع مراكز الاستبدال، وزيادة ساعات العمل، وتشديد الرقابة الميدانية، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ الفوري عن أي حالات ابتزاز، مع فرض عقوبات مباشرة على المخالفين.

في المقابل، توقع خبراء اقتصاديون أن يؤدي ضخ كميات إضافية من الليرة الجديدة، بالتزامن مع تمويل شراء محصول القمح وصرف الزيادات على الرواتب والأجور، إلى ارتفاع حجم السيولة في السوق خلال الفترة المقبلة.

وحذر الخبير المالي والمصرفي عبد الله قزاز من أن هذه الزيادة قد تتحول إلى ضغوط تضخمية إذا لم يدِر مصرف سوريا المركزي السيولة بكفاءة، مشيراً إلى أن البنك المركزي يمتلك أدوات نقدية متعددة، من بينها رفع أسعار الفائدة وطرح سندات حكومية وتشجيع الادخار، للحد من آثار التضخم وتقلبات سعر الصرف.

وفي سياق متصل، رأى الخبير الاقتصادي كرم شعار أن تضييق الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي يمثل تطوراً إيجابياً، لكنه شدد على ضرورة أن يواكب السعر الرسمي تحركات السوق بصورة يومية، بما يعزز الثقة بالنظام المالي ويحد من الاعتماد على السوق الموازية.

بدوره، أوضح الخبير الاقتصادي رازي محي الدين أن استقرار الليرة يتطلب معالجة مجموعة من العوامل، من بينها تعزيز الصادرات، واستئناف إنتاج النفط والغاز، وتشجيع الاستثمار، وتنشيط حركة الترانزيت والسياحة، إلى جانب الحد من الاستيراد الوهمي وتعزيز تدفقات القطع الأجنبي.

أما عبد الله قزاز، فأكد أن التحسن الحالي في سعر صرف الليرة يعود بصورة أساسية إلى عوامل نفسية مرتبطة بعملية استبدال العملة، وليس إلى تحسن اقتصادي حقيقي، متوقعاً استمرار هذا التحسن بصورة مؤقتة قبل أن تعود الضغوط على سعر الصرف مع زيادة الإنفاق والسيولة بعد انتهاء عملية الاستبدال.

وفي ملف المحروقات، رأى المحلل الاقتصادي يونس الكريم أن أي انخفاض عالمي في أسعار النفط لن ينعكس سريعاً على السوق السورية، بسبب استمرار التضخم وضعف الليرة وارتفاع تكاليف الاستيراد، إضافة إلى ارتباط الأسعار بالظروف السياسية والاقتصادية الداخلية.

من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي سمير طويل أن إعادة فتح مضيق هرمز لن تؤدي إلى انخفاض فوري في الأسعار داخل سوريا، لأن أسعار السلع الأساسية لا تزال مرتبطة بصورة مباشرة بسعر صرف الدولار، بينما جاءت الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد وتراجع الإمدادات خلال الفترة الماضية.

هذا وتعكس مجمل هذه المؤشرات استمرار التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري، في ظل اتساع الفجوة بين العرض والطلب على القطع الأجنبي، وغياب أدوات فعالة لضبط الأسواق، واستمرار الضغوط التضخمية، ما يجعل المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الحكومة على تنفيذ سياسات نقدية ورقابية أكثر فاعلية، تعيد التوازن للأسواق وتعزز استقرار الليرة وتحسن القدرة الشرائية للمواطنين.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ