الصدمة ليست واحدة للجميع.. عوامل خفية ترسم ردود أفعالنا
الصدمة ليست واحدة للجميع.. عوامل خفية ترسم ردود أفعالنا
● مجتمع ٤ أغسطس ٢٠٢٦

الصدمة ليست واحدة للجميع.. عوامل خفية ترسم ردود أفعالنا

تُعد الصدمات النفسية من التجارب الصعبة التي قد يمر بها الإنسان في مراحل مختلفة من حياته، وتترك آثاراً تختلف حدتها وطبيعتها من شخص لآخر، فبينما يتمكن البعض من تجاوز الأزمات واستعادة توازنهم تدريجياً، يواجه آخرون صعوبة في التكيف مع ما حدث، ما ينعكس على حالتهم النفسية وسلوكهم اليومي. 

ويثير هذا التفاوت تساؤلات حول الأسباب التي تقف خلف اختلاف الاستجابات، والعوامل النفسية التي تتحكم في طريقة تفاعل الأفراد مع الصدمات، إضافة إلى كيفية التمييز بين ردود الفعل الطبيعية وتلك التي قد تشير إلى حاجة لدعم متخصص.

في هذا السياق، قال الباحث أحمد عرفات، دكتوراه في الصحة النفسية، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الصدمات لا تؤثر في جميع الناس بالطريقة نفسها، لأن الاستجابة النفسية ليست نتاج الحدث وحده، بل هي نتيجة التفاعل بين شخصية الفرد وعدة عوامل.

وأضاف أنه قد لا يخرج شخصان من الأزمة نفسها بنتائج نفسية متشابهة، فقد يعاني أحدهما من اضطراب نفسي شديد، بينما يكتسب الآخر قوة وخبرة ونمواً نفسياً يُعرف في علم النفس بـ "النمو ما بعد الصدمة" (Post-Traumatic Growth).

وذكر أن من أهم العوامل النفسية التي تفسر هذا الاختلاف الخبرات والتجارب السابقة، حيث إن التجارب السابقة المعالجة بشكل صحيح تزيد من مهارات الفرد وقدراته، بينما الصدمات غير المعالجة تزيد من حساسية التعرض لأزمات جديدة، وأشار إلى أن المرونة النفسية تعد عاملاً أساسياً ٱخراً، وهي قدرة الأفراد على شق طريقهم إلى الموارد التي تحافظ على الرفاهية، وقدرتهم النفسية والاجتماعية على توفير تلك الموارد.

ونوه عرفات إلى أن طريقة تفسير الحدث أو "معنى الحدث" ترتبط بشخصية الفرد ومعتقداته وقدراته، وحسب النظرية المعرفية فإن أفكار الشخص عن الحدث هي التي تجعله إيجابياً أو سلبياً، فمثلاً قد يعتبر فقد الوظيفة بالنسبة لأحدهم كارثة، بينما يراه آخر فرصة للبدء من جديد.

وبيّن أن سمات الشخصية، مثل الثقة بالنفس، والقدرة على التعبير، والقدرة على حل المشكلات وضبط الانفعالات وغيرها، تلعب دوراً مهماً في تحديد طبيعة الاستجابة، ولفت إلى أنه يمكن التمييز بين رد الفعل الطبيعي على الصدمة والانهيار الذي يحتاج إلى تدخل متخصص، حيث يمكن القول بشكل عام إنه إذا كانت الأعراض وردود الفعل مؤقتة وتتناقص بشكل تدريجي، ولا تشكل خطراً على سلامة الشخص أو المحيطين به كالانتحار، فإن ذلك يُعد استجابة طبيعية.

وذكر أن الأمر يختلف في حال كانت ردود الفعل شديدة وخطرة وتعيق قدرة الفرد على ممارسة حياته الطبيعية، ونوه إلى أن المهم ليس فقط وجود الأعراض، بل مدى تأثيرها على حياة الشخص، وما إذا كانت تتحسن مع الوقت أم تستمر وتزداد سوءاً، فالشعور بالخوف أو الحزن بعد الصدمة يُعد أمراً طبيعياً، أما فقدان القدرة على مواصلة الحياة اليومية أو استمرار المعاناة دون تحسن لفترة طويلة، فهو مؤشر على الحاجة إلى تقييم متخصص.

وأوضح الباحث أحمد عرفات في تصريح خاص لـ شام أن التجارب السابقة والطفولة لا تحدد بشكل مطلق كيفية استجابة الفرد للصدمات، لكنها تشكل أساساً مهماً يؤثر في مستوى المرونة النفسية، ونوعية الاستجابات العاطفية، والقدرة على التكيف والتعافي، كما أن الدعم النفسي والاجتماعي والعلاج المناسب يمكن أن يساعد الأفراد على تجاوز آثار الخبرات السلبية السابقة.

وأكد أن الدراسات تشير إلى أنه كما أن لتجارب الطفولة الصعبة آثاراً سلبية على النمو النفسي والجسدي والاجتماعي للفرد حتى في مرحلة البلوغ، فإن الطفولة الإيجابية التي تشمل التعرض لبيئات اجتماعية داعمة وراعية وارتباطاً آمناً وعلاقات قوية بين الطفل والوالدين، تتنبأ بالرفاهية والمرونة النفسية مدى الحياة.

وشدد على أن الأطفال ذوي المرونة العالية يُنظر إليهم على أنهم لا يُقهرون، وأن مرونة الأطفال النفسية هي عملية التعامل مع أحداث الحياة التخريبية والمجهدة بطريقة تزود الفرد بمهارات حماية وتأقلم إضافية عما كانت عليه قبل الاضطراب الناتج عن الحدث.

وأفاد عرفات بأنه قد وُجد أن الارتباط الآمن بالوالدين، وعلاقات الأقران الصحية، والبيئة الاجتماعية الوقائية، تساعد الشخص على حل مشكلاته بثقة، كما تسهم في تطوير مختلف الكفاءات الذاتية، مثل المهارات الاجتماعية والعاطفية، والقدرات المعرفية والمهنية.

يرى مختصون في الصحة النفسية أن استجابة الأفراد للصدمات لا تتشكل فقط من داخل الشخص، بل تتأثر أيضاً بالبيئة المحيطة، مثل مستوى الدعم الاجتماعي والاستقرار الأسري والضغوط الحياتية، ويؤكدون أن وجود أشخاص داعمين والقدرة على مشاركة المشاعر بصدق يساهمان في تخفيف حدة التأثير النفسي، ويمنحان الفرد مساحة للتفريغ والتكيف بشكل أكثر توازناً.

ويشير المختصون إلى أن التعافي من الصدمة عملية تدريجية، وقد تتعثر أحياناً بسبب أخطاء شائعة مثل كبت المشاعر أو تجاهل الحاجة للراحة النفسية، لذلك، فإن منح النفس وقتاً كافياً للتعافي، والاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية، وطلب الاستشارة عند الحاجة، تعد خطوات مهمة تساعد على تجاوز الأزمة بطريقة صحية وتحد من تطور الأعراض على المدى البعيد.

يبرز اختلاف استجابات الأفراد للصدمات النفسية كنتيجة لتداخل مجموعة من العوامل المرتبطة بالشخص وخبراته وتفسيره للأحداث، ويُعد الانتباه لطبيعة الأعراض ومدى استمرارها عاملاً مهماً في تحديد ما إذا كانت الاستجابة ضمن الإطار الطبيعي أو تستدعي تقييماً متخصصاً، بما يعزز فرص التعامل الواعي مع الأزمات النفسية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ