الخلافات الأسرية وانعكاساتها على وعي الطفل وبناء مفهوم العلاقات المستقبلية
لا تقتصر آثار الخلافات الأسرية على حدود المنزل أو على حالة عدم الاستقرار التي يعيشها أفراد الأسرة وما يرافقها من توتر وقلق، كما لا تنعكس فقط على العلاقة الزوجية بين الطرفين، وإنما تمتد لتؤثر في تكوين صورة الأسرة والحياة الزوجية لدى الأطفال، وفي طريقة إدراكهم للعلاقات الأسرية في المستقبل.
في هذا السياق، قال الأخصائي في علم النفس والصحة النفسية مصعب محمد علي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الطفل يتعلم معنى الأسرة من خلال ما يراه يومياً أكثر مما يسمعه، فعندما تكون الخلافات متكررة ومصحوبة بالصراخ أو الإهانة أو التهديد، تتشكل لديه فكرة بأن العلاقات تقوم على التوتر وعدم الاستقرار، وأن الحب قد يرتبط بالألم أو الخوف، في حين أنه إذا شاهد خلافات تُدار باحترام وتنتهي بالتصالح فإنه يتعلم أن الاختلاف جزء طبيعي من العلاقات ولا يعني فقدان المحبة أو الأمان.
وأضاف أن التعرض المستمر للصراعات قد يؤثر في الإحساس بالأمان النفسي باعتباره شعوراً يقوم على الاستقرار وإمكانية التنبؤ بالبيئة المحيطة، لافتاً إلى أن الطفل قد يعيش حالة من الترقب الدائم ويصبح أكثر حساسية تجاه أي توتر، بينما قد تنعكس هذه التجارب على المدى البعيد في شكل صعوبات في الثقة بالآخرين، وانخفاض في تقدير الذات، والشعور بعدم الاستحقاق أو الخوف من فقدان الأشخاص المهمين في حياته، إضافة إلى صعوبة تكوين شعور ثابت بالانتماء داخل الأسرة أو خارجها.
وأشار إلى أنه في حال كانت الصراعات مزمنة وكان الوالدان غير متاحين عاطفياً أو غير متسقين في الاستجابة لاحتياجات الطفل، فقد تتأثر أنماط الارتباط لديه، مبيناً أن ذلك قد يظهر لاحقاً على شكل تعلق مفرط بالآخرين والخوف الشديد من الهجر أو الرفض، أو تجنب للتقارب العاطفي وصعوبة في التعبير عن المشاعر، أو التردد بين الرغبة في القرب والخوف منه بما يؤدي إلى علاقات غير مستقرة، إلى جانب صعوبة الثقة بالآخرين أو طلب الدعم عند الحاجة.
ونوّه إلى أن العلامات التي قد تدل على تأثر الطفل نفسياً نتيجة الخلافات المستمرة داخل الأسرة تختلف بحسب العمر، لافتاً إلى زيادة القلق أو الخوف دون سبب واضح، واضطرابات النوم أو الكوابيس، والانطواء أو فقدان الاهتمام باللعب والأنشطة، وسرعة الغضب أو السلوك العدواني، وتراجع المستوى الدراسي أو ضعف التركيز، والشكاوى الجسدية المتكررة مثل الصداع أو آلام البطن دون سبب طبي واضح، إضافة إلى الشعور بالذنب واعتقاد الطفل أنه سبب الخلافات، أو محاولة لعب دور الوسيط بين الوالدين أو تحمل مسؤوليات تفوق عمره.
وبين أن الحد من هذه التأثيرات لا يتطلب غياب الخلافات بقدر ما يتطلب إدارتها بطريقة صحية، موضحاً ضرورة تجنب الصراخ أو الإهانة أو العنف أمام الأطفال، وعدم إشراك الطفل في الخلاف أو مطالبته بالانحياز لأحد الوالدين، إلى جانب طمأنته بشكل واضح بأن الخلاف بين الكبار وليس بسببه، والحفاظ على الروتين اليومي قدر الإمكان لما له من دور في تعزيز الإحساس بالاستقرار، مع إظهار الاحترام المتبادل أثناء الاختلاف، وإنهاء الخلاف أو إظهار التصالح أمام الطفل عندما يكون ذلك مناسباً، إضافة إلى توفير مساحة له للتعبير عن مشاعره والاستماع إليها دون التقليل منها.
وذكر أن كثيراً من الأطفال يمكنهم تجاوز آثار هذه التجارب لاحقاً عندما تتوفر لهم عوامل داعمة، موضحاً أن الدماغ والجانب النفسي لدى الطفل يتمتعان بقدر كبير من المرونة النفسية، خاصة إذا تحسنت البيئة الأسرية أو وجد شخص بالغ يقدم دعماً ثابتاً وآمناً، حيث يسهم الدعم النفسي في فهم المشاعر وتنظيمها، وتقليل القلق والشعور بالذنب، وتعزيز تقدير الذات، وبناء مهارات صحية في التواصل وحل المشكلات، وتعديل المعتقدات السلبية التي تشكلت نتيجة التجارب السابقة، إضافة إلى تطوير أنماط ارتباط أكثر أماناً في العلاقات المستقبلية.
وأفاد بأن النصائح الموجهة للأسر للحفاظ على بيئة صحية رغم وجود الخلافات تبدأ بتقبل أن الاختلاف أمر طبيعي، مع التأكيد أن طريقة التعامل معه هي التي تترك الأثر، إلى جانب فصل الخلاف الزوجي عن العلاقة مع الأبناء، واستخدام الحوار الهادئ بدلاً من التهديد أو الإهانة، والاعتذار عند الخطأ لما يحمله من قيمة تربوية في تعليم الطفل تحمل المسؤولية، وتخصيص وقت يومي للتفاعل الإيجابي مع الأطفال بعيداً عن الضغوط، وملاحظة أي تغيرات في سلوك الطفل والتعامل معها مبكراً، إضافة إلى طلب المساعدة من مختص نفسي أو أسري إذا أصبحت الخلافات متكررة أو خرجت عن السيطرة.
وشدد على أن العامل الأكثر تأثيراً في الصحة النفسية للطفل ليس وجود الخلاف بحد ذاته، وإنما درجة تكراره وحدته وطريقة إدارته، ومدى استمرار شعور الطفل بوجود بالغين يوفرون له الأمان والاحتواء.
ويرى مختصون في علم النفس أن الخلافات الأسرية حين تتكرر داخل البيئة المنزلية لا تبقى محصورة في لحظتها، وإنما تتحول تدريجياً إلى خبرة نفسية يكتسب منها الطفل طريقة فهمه للعلاقات الإنسانية، حيث أوضحوا أن الطفل في سنواته الأولى يقرأ الاستقرار أو الاضطراب من خلال ما يعيشه داخل أسرته، وليس من خلال التوجيهات المباشرة.
ويضيف المختصون أن هذا النمط من الخبرات قد ينعكس لاحقاً على صورة العلاقة بين الأبوين في ذهن الطفل، وعلى توقعاته من العلاقات عموماً، لافتين إلى أن استمرار التوتر داخل المنزل قد يخلق لديه ميلاً للقلق أو الحذر الزائد في التعامل مع الآخرين، إضافة إلى صعوبة في بناء شعور ثابت بالأمان العاطفي في بعض الحالات.
تبقى البيئة الأسرية عاملاً أساسياً في تشكيل وعي الطفل وبناء نظرته للعلاقات الإنسانية، حيث تمتد آثار الخلافات داخل المنزل إلى ما هو أبعد من لحظتها الآنية، لتنعكس على طريقة فهمه للأمان والاستقرار والتفاعل مع الآخرين، ويظهر أن إدارة هذه الخلافات بأسلوب أكثر هدوءاً وتوازناً يسهم في تقليل انعكاساتها السلبية، ويحافظ على مساحة من الطمأنينة داخل الأسرة.