الألعاب العنيفة وتأثيرها على سلوك الأطفال: بين التحذير العلمي ودور الأسرة في المواجهة
مع انتشار الألعاب الإلكترونية بين الأطفال، يزداد الجدل حول تأثير المحتوى العنيف على سلوكهم، خاصة في ظل قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، وبين التحذيرات التربوية والدراسات العلمية، يطرح هذا الواقع تساؤلات حول حدود هذا التأثير ودور الأسرة في التعامل معه.
وقال الدكتور عماد كنعان، أستاذ جامعي وباحث في المناهج وطرائق التدريس في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الأصل العلمي هنا أن يُقال: ليست كل لعبة عنيفة تُنتج طفلاً عدوانياً، لكن التعرّض المتكرر للمحتوى العنيف قد يتحول إلى عامل خطر مهم، خاصة عندما يترافق مع ضعف الرقابة الأسرية، وكثرة ساعات الشاشة، والهشاشة الانفعالية، والعزلة الاجتماعية، وغياب الحوار والتفريغ النفسي.
وأضاف أن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال تذكر أن عقوداً من البحث تربط العنف الافتراضي بارتفاع الأفكار والمشاعر والسلوكات العدوانية عند الأطفال، كما أن دراسات حديثة ما تزال تجد ارتباطاً موجباً بين التعرض للعنف الإعلامي وبين العدوان، وإن كان حجم الأثر يختلف من دراسة إلى أخرى.
وأشار إلى أن هذه الألعاب تنعكس على تصرفات الطفل اليومية وتعاملاته مع الآخرين في عدة صور: سرعة الاستثارة، وضعف الصبر، إلى جانب ارتفاع الحساسية للاستفزاز، والميل إلى حل الخلاف بالقوة أو التهديد، إضافة إلى تراجع التعاطف، والاعتياد على الألفاظ الخشنة، عدا عن تحول اللعب من مساحة متعة إلى تدريب متكرر على الاستجابة العنيفة.
وبيّن أن بعض الأطفال لا يظهرون عدواناً مباشراً، لكن يظهر عليهم التبلد تجاه الألم، أو الضحك على الإيذاء، أو التقليد الحركي واللفظي للمشاهد التي شاهدوها، ما يجعل التعامل مع المسألة ليس كترفيه محايد دائم، بل خبرةً تربويةً متكررة قد تبني في الذهن “نموذجاً سلوكياً” جاهزاً للاستدعاء عند الغضب.
وأوضح الدكتور كنعان لـ "شام" أن هذه الألعاب تؤدي إلى زيادة السلوك العدواني عند بعض الأطفال، وأن الآلية التربوية المفهومة في هذه الحالة تقوم على ثلاثة مسارات: أولاً، التعلم بالملاحظة والتقليد؛ فالطفل يرى نموذجاً يضرب أو يهدد أو ينتصر بالعنف، فيتعلم أن هذا سلوك فعال، ثانياً، التكرار؛ فكلما تكرر المشهد خفّ استنكاره له، وثالثاً، التفاعل؛ فاللعبة ليست مشاهدة فقط، بل مشاركة وتنفيذ ومكافأة على الفعل العنيف، وهذا قد يجعل الأثر أعمق من مجرد المشاهدة السلبية.
وذكر أن دراسة طولية منشورة عام 2025 تابعت 259 طالباً في المرحلة الإعدادية على ثلاث موجات خلال سنة كاملة، وُجدت فيها علاقة تبادلية موجبة بين التعرض للعنف الإعلامي والعدوان؛ فالتعرض الأعلى تنبأ بعدوان أعلى لاحقاً، كما أن العدوان المرتفع ارتبط لاحقاً بمزيد من التعرض للعنف الإعلامي.
وفي المقابل، هناك دراسات أحدث تشكك في تضخيم أثر الألعاب العنيفة وحدها، وتدعو إلى قراءة أوسع تأخذ في الحسبان الشخصية والبيئة والعلاقات الأسرية، لهذا فالموقف العلمي المنضبط هو: نعم، هناك خطر معتبر، لكن ليس بشكل ميكانيكي وبسيط.
وفيما يتعلق بالفئة العمرية الأكثر تأثراً بهذه الألعاب، أشار الدكتور عماد إلى أن الأطفال غالباً هم الأكثر هشاشة في الطفولة المبكرة والمتوسطة، ثم بدايات المراهقة، مضيفاً أن في السنوات الأولى يكون الخيال والواقع أقل تمايزاً، والقدرة على الضبط الذاتي والنقد الأخلاقي ما تزال في طور التكوين، وفي بدايات المراهقة يزداد التأثر بالمثيرات والانفعال والبحث عن الإثارة والانتماء والتقليد.
ونوّه إلى دراسة حديثة استندت إلى بيانات طولية من كيبيك تابعت 975 بنتاً و987 ولداً، وركزت على الأعمار من 4 إلى 6 سنوات، وخلصت إلى وجود ارتباط موجب بين التعرض المبكر للمحتوى العنيف وتطور العدوان الانفعالي أو التفاعلي، مع دلالة واضحة على أن الاكتفاء بالرقابة المتأخرة بعد ظهور المشكلة ليس كافياً، ولفت إلى أن الدراسة الصينية الطولية تذكر أن مرحلة الإعدادية مرحلة حساسة فعلاً لهذا النوع من التأثيرات.
وأكد كنعان أن دور الأهل ليس المنع الأعمى فقط، بل القيادة التربوية الواعية، فالمطلوب من الوالدين أن يعرفا: ماذا يلعب الطفل؟ مع من؟ كم ساعة؟ ما طبيعة المكافآت داخل اللعبة؟ هل تقوم على القتل، أو السخرية، أو السرقة، أو الانتقام، أم على البناء والتعاون والتفكير؟
وشدد على عدم ترك الطفل وحده أمام الشاشة بحجة أنه “هادئ”، لأن بعض الهدوء الظاهر يكون في الحقيقة اندماجاً مقلقاً وانفصالاً تدريجياً عن الواقع، منوهاً إلى أن اليونيسف دعت بوضوح إلى تعليم الأطفال الثقافة الرقمية والأمان الرقمي، وإلى دعم الوالدين ببرامج تربية إيجابية، مع توفير تدخلات متخصصة للأطفال الذين تظهر لديهم سلوكيات مؤذية.
وفيما يتعلق بإمكانية تمييز الأهل بين الألعاب المناسبة وغير المناسبة لأطفالهم، أشار إلى وجود معايير عملية بسيطة، فاللعبة غير المناسبة هي التي تُكافئ على القتل أو الإيذاء، أو تُطبّع مع الشتائم والإهانة، أو تسمح بتواصل مفتوح غير مضبوط مع غرباء، أو تدفع إلى الإدمان عبر ساعات طويلة ومهام لا تنتهي، أو تحتوي على إثارة مفرطة لا تناسب عمر الطفل.
أما اللعبة المناسبة فهي التي تراعي العمر، وتنمي التفكير أو التعاون أو الإبداع أو حل المشكلات، وتكون خالية من العنف الفج أو الإثارة الجنسية أو اللغة السوقية، ويمكن للأهل فهم محتواها ومتابعته بسهولة، والمهم جداً ألا يكتفي الأهل باسم اللعبة أو شهرتها، بل يشاهدوا فعلياً دقائق من اللعب أو يجربوها بأنفسهم، كما أن الإشارات العمرية والتصنيفات تساعد، لكنها لا تكفي وحدها من دون متابعة أسرية واعية.
وأكد أن أفضل بديل ليس “إبعاد الشاشة” فحسب، وإنما “ملء الفراغ بما هو أجمل”، لذلك ينصح بستة بدائل عملية، وهي: الرياضة المنتظمة، خاصة ما يفرغ الطاقة ويعلم الانضباط، والألعاب الجماعية التعاونية لا التنافسية فقط، إلى جانب القراءة القصصية والحوار حول الشخصيات والقيم، والأنشطة الفنية كالرسم والتركيب والأعمال اليدوية والتمثيل الهادف، فضلاً عن المهام المنزلية الصغيرة التي تعزز المسؤولية، والصحبة الطيبة والأنشطة المجتمعية والكشفية.
وأوضح أن الطفل إذا وجد متعة بديلة، وانتماءً حقيقياً وفرصة نجاح محسوسة، يقلّ تعلّقه بالعنف الافتراضي، وهنا يتم الاستفادة من التوجيهات المعاصرة في التربية الإيجابية، ومن فكرة دويك الشهيرة بأننا نمدح الجهد والاستراتيجية والمثابرة، لا مجرد “الذكاء” كصفة جامدة؛ لأن بناء الطفل من الداخل يقلل حاجته إلى التعويض العدواني من الخارج.
ووجّه الدكتور عماد كنعان مجموعة من النصائح للأهالي، تتمثل بـ: عدم جعل الهاتف أو الجهاز مربّياً بديلاً، ووضع وقت يومي محدد للشاشات، ووقت آخر خالٍ منها قبل النوم، إلى جانب مراقبة المحتوى قبل الوقت؛ فالمشكلة ليست في عدد الساعات فقط، بل في نوع المادة.
وأشار إلى ضرورة اللعب مع الطفل ومتابعة الألعاب التي يشاهدها، للتعرف على عالمه، وملاحظة العلامات التحذيرية، كالألفاظ العدوانية، وتقليد إطلاق النار، والتلذذ بالإيذاء، والعصبية بعد المنع، والعزلة، واضطراب النوم، فضلاً عن تعليم الطفل تسمية مشاعره: غضب، خوف، غيرة، إحباط؛ لأن الطفل الذي يعبّر أقلّ عنفاً من الطفل الذي ينفجر.
ونوّه إلى أهمية ربط الانضباط بالشرح والاحتواء، لا بالصراخ وحده، وبناء علاقة حوار يومية قصيرة لكن ثابتة، فالوقاية تبدأ قبل المشكلة، وشدد على وجوب استشارة مختص نفسي أو تربوي مبكر في حال ملاحظة تحول سلوكي واضح ومستمر، إلى جانب حماية الطفل من اجتماع ثلاثة أشياء معاً: محتوى عنيف، وعزلة طويلة، وإهمال انفعالي؛ مؤكداً أنها من أخطر التركيبات التربوية.
وأكد أن الألعاب العنيفة ليست السبب الوحيد في السلوك العدواني، لكنها قد تكون عامل خطر مؤثر، خاصة عند الطفل الذي يفتقد الاحتواء والرقابة والبدائل الصحية، مضيفاً في ختام حديثه أن الحماية الحقيقية لا تقوم على المنع وحده، بل على بناء عقل الطفل، وتهذيب انفعاله، وتنظيم بيئته الرقمية، وإشباعه بالحب والحوار والأنشطة النافعة.