أصحاب البسطات بين سندان قرارات الإزالة ومطرقة الفقر.. واقع مؤلم يتجاوز الصورة الحضارية
أصحاب البسطات بين سندان قرارات الإزالة ومطرقة الفقر.. واقع مؤلم يتجاوز الصورة الحضارية
● مجتمع ١٢ مارس ٢٠٢٦

أصحاب البسطات بين سندان قرارات الإزالة ومطرقة الفقر.. واقع مؤلم يتجاوز الصورة الحضارية

تُعدّ البسطات واحدة من أكثر المشاهد حضوراً في شوارع المدن السورية خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت الأرصفة والساحات العامة إلى مساحات عرض بسيطة لبضائع متنوعة، من الخضار والفواكه إلى الملابس والمواد الغذائية والأدوات المنزلية.

والبسطة، في أبسط تعريفاتها، هي وسيلة بيع غير نظامية تعتمد على عرض السلع فوق طاولة أو عربة صغيرة أو حتى على الأرض مباشرة، وغالباً ما تكون من دون ترخيص رسمي أو مكان ثابت.

بالنسبة لكثير من السوريين، لم تعد البسطة مجرد نشاط تجاري عابر، بل أصبحت وسيلة للبقاء الاقتصادي في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.

ومع تدهور القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر، لجأت آلاف الأسر إلى هذا النوع من العمل لتأمين دخل يومي بأقل الإمكانات الممكنة، ما جعل ظاهرة البسطات تتوسع في مختلف المحافظات.

وتكشف الأرقام الصادرة عن منظمات دولية حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها السوريون، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما يعيش نحو ربع السوريين في فقر مدقع وفق تقديرات البنك الدولي.

كما تشير بيانات دولية إلى أن الفقر طال نحو 69% من السكان عام 2022، أي ما يقارب 14.5 مليون شخص، في حين يعتمد ملايين السوريين على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

في ظل هذه الظروف، تحولت البسطات إلى أحد أبرز مظاهر التكيف الاقتصادي لدى شرائح واسعة من المجتمع، حيث يمكن البدء بها برأس مال بسيط ومن دون إجراءات معقدة، الأمر الذي يجعلها خياراً متاحاً لمن فقدوا وظائفهم أو لم يتمكنوا من دخول سوق العمل الرسمي.

بين التنظيم والإزالة

خلال الفترة الأخيرة، شهدت عدة مدن سورية حملات مكثفة لإزالة البسطات والإشغالات غير النظامية من الشوارع والأرصفة، في إطار محاولات تنظيم الأسواق وتحسين الحركة المرورية والمظهر العام للمدن.

في حلب، نفذت الضابطة المركزية في مجلس المدينة حملات ميدانية لإزالة البسطات المنتشرة في عدد من الشوارع والأحياء، استجابة لشكاوى المواطنين المتعلقة بصعوبة استخدام الأرصفة واختناق حركة المرور.

وأكد رئيس مجلس مدينة حلب محمد علي العزيز أن هذه الحملات تأتي ضمن خطة عمل مستمرة لتنظيم المدينة وتحسين الواقع الخدمي فيها، مع التشديد على أهمية تعاون أصحاب المحال والمواطنين لإنجاح هذه الإجراءات.

وفي السياق ذاته، التقى قائد الأمن الداخلي في حلب العقيد محمد عبد الغني عدداً من أصحاب البسطات في حي الفرقان، عقب تجمع عشرات منهم في المكان، حيث شدد على ضرورة الالتزام بالقرارات التنظيمية الصادرة لتنظيم حركة الأسواق.

وأشار إلى تخصيص مواقع بديلة للبسطات في عدة أحياء بما يضمن انسيابية البيع والشراء ويمنع إغلاق الطرقات أو حدوث ازدحامات مرورية.

وفي درعا، بدأ مجلس المدينة حملة لإزالة البسطات بعد توجيه إنذارات خطية متكررة لأصحابها من دون استجابة.

وأوضح معاون رئيس المجلس الدكتور جهاد أبو نبوت أن البلدية خصصت مواقع بديلة للباعة في شارع فرن الطير، مؤكداً أن الهدف ليس إلغاء البسطات وإنما نقلها إلى أماكن أكثر تنظيماً قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الباعة وتحقيق بيئة مناسبة للبائع والمستهلك.

أما في حمص، فقد أطلقت الجهات المعنية حملة مماثلة لإزالة إشغالات الطرق والأرصفة وتنظيم الأسواق الشعبية، مع تحديد مواقع وأيام محددة لعمل البسطات ضمن أسواق منظمة في عدة أحياء، بما يسهم في ضبط النشاط التجاري وتحسين المظهر الحضري للمدينة.

هذه الإجراءات تعكس محاولة السلطات المحلية تحقيق توازن بين متطلبات التنظيم العمراني وضرورات الواقع الاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول قدرة البدائل المطروحة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الباعة الذين يعتمدون على هذا النشاط كمصدر دخل أساسي.

صوت أصحاب البسطات

في المقابل، يؤكد عدد من أصحاب البسطات أن هذا العمل يمثل بالنسبة لهم الوسيلة الوحيدة المتاحة لتأمين لقمة العيش في ظل صعوبة الحصول على وظائف ثابتة أو امتلاك رأس مال يسمح باستئجار محل تجاري.

ويشير بعضهم إلى أن البسطة توفر دخلاً يومياً متواضعاً لكنه يضمن الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، كما تمنحهم مرونة في التنقل بين المناطق أو تغيير نوع البضائع المعروضة بحسب الطلب.

ويقول آخرون إن العمل على البسطة يرافقه العديد من الصعوبات، أبرزها عدم الاستقرار نتيجة الحملات المتكررة لإزالة الإشغالات، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالعمل في الشوارع المزدحمة وحركة المرور، فضلاً عن غياب أي حماية قانونية أو تنظيم واضح لهذا النوع من النشاط.

ويؤكد بعض الباعة أنهم يضطرون للاستمرار في هذا العمل رغم تلك التحديات، لعدم توفر بدائل اقتصادية أخرى تمكنهم من إعالة أسرهم.

وفي الجهة المقابلة، يعبر عدد من أصحاب المحال التجارية عن انزعاجهم من انتشار البسطات بالقرب من محلاتهم، معتبرين أن ذلك يخلق منافسة غير متكافئة ويؤثر في حركة الزبائن والمبيعات، فضلاً عن المشكلات الخدمية المرتبطة بالازدحام وإشغال الأرصفة.

ومع ذلك، يقر كثير منهم بحاجة الباعة إلى العمل لتأمين دخلهم، ما يعكس تعقيد هذه القضية وتشابك أبعادها الاقتصادية والاجتماعية.

البسطات في قلب الجدل السياسي والاجتماعي

لم يعد ملف البسطات مجرد قضية خدمية تتعلق بتنظيم الأسواق، بل تحوّل إلى موضوع نقاش سياسي واجتماعي أوسع يرتبط بالوضع الاقتصادي ومستوى المعيشة في البلاد.

فمن جهة، ترى بعض الجهات أن انتشار البسطات بشكل عشوائي يخلق مشكلات خدمية وبيئية مثل الازدحام المروري والتعدي على الأرصفة والأملاك العامة، إضافة إلى منافسة غير متكافئة مع المحال التجارية المرخصة.

لكن في المقابل، يرى ناشطون وباحثون اقتصاديون أن التعامل مع الظاهرة من زاوية تنظيمية بحتة قد يتجاهل البعد الاجتماعي والاقتصادي لها.

ويشير سياسيون وباحثون إلى أن البسطات تمثل بالنسبة لكثير من العائلات السورية مصدر الدخل الوحيد المتبقي، وأن إزالتها من دون توفير بدائل حقيقية قد يدفع الفئات الفقيرة إلى مزيد من الهشاشة الاقتصادية.

كما يطرح بعض الخبراء مقاربات بديلة تقوم على تنظيم الظاهرة بدلاً من إلغائها، عبر تخصيص أماكن قانونية للبسطات موزعة في الأحياء المختلفة وتنظيم عملها زمنياً في أوقات محددة.

ويقترح خبراء أيضاً تصميم أكشاك منخفضة الكلفة تحسن المشهد العام وتوفر بيئة عمل أفضل للباعة، إضافة إلى فرض معايير للنظافة وإدارة النفايات، إلى جانب تسجيل أصحاب البسطات ضمن قواعد بيانات رسمية تسمح بفهم أوضاعهم الاقتصادية وتطوير برامج دعم أو قروض صغيرة تساعدهم على تطوير أعمالهم.

معضلة اقتصادية تحتاج إلى حلول واقعية

في ظل الأزمة الاقتصادية الممتدة منذ سنوات، تبدو ظاهرة البسطات أكثر من مجرد مسألة تتعلق بتنظيم الأرصفة أو المظهر الحضري للمدن، إذ تعكس في جوهرها تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة فرضتها سنوات الحرب وتراجع فرص العمل النظامية.

فانتشار هذا النوع من الأنشطة يرتبط مباشرة بارتفاع معدلات الفقر وتراجع مصادر الدخل لدى شريحة واسعة من السوريين، ما دفع كثيرين إلى اللجوء إلى العمل غير المنظم كوسيلة لتأمين احتياجاتهم اليومية.

ومع اتساع هذه الظاهرة، تواجه إدارات المدن معادلة معقدة تتمثل في ضرورة الحفاظ على التنظيم العمراني وانسيابية الحركة المرورية، مقابل الحاجة إلى مراعاة الواقع الاقتصادي الذي يدفع آلاف الأسر للاعتماد على هذه الأعمال كمصدر رزق أساسي.

وبين هذين الاعتبارين، يبرز تحدٍ حقيقي يتمثل في إيجاد سياسات أكثر توازناً تقوم على تنظيم البسطات وإدماجها تدريجياً ضمن إطار اقتصادي وخدمي منظم، بما يحقق التوازن بين متطلبات المدينة واحتياجات السكان المعيشية.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ