من هو العلامة الراحل مازن المبارك الذي كرّمته وزارة الثقافة في المكتبة الوطنية بدمشق؟
من هو العلامة الراحل مازن المبارك الذي كرّمته وزارة الثقافة في المكتبة الوطنية بدمشق؟
● مجتمع ٤ أغسطس ٢٠٢٦

من هو العلامة الراحل مازن المبارك الذي كرّمته وزارة الثقافة في المكتبة الوطنية بدمشق؟

أعلنت وزارة الثقافة يوم الأربعاء 4 آب/ أغسطس، تكريم أحد أبرز أعلام اللغة العربية في العصر الحديث، العلامة الراحل الدكتور مازن عبد القادر المبارك، عبر حفل تكريم أقيم في المكتبة الوطنية السورية بدمشق، وفاءً لإرثه اللغوي والثقافي، وتقديراً لعطاء امتد لعقود طويلة في ميادين النحو والتحقيق والتأليف والتعليم.

وشارك في الحفل وزير الثقافة الأستاذ محمد ياسين الصالح، الذي كرم الراحل بتسليم درع التكريم إلى نجله الدكتور زاهر المبارك، بحضور عدد من الأدباء واللغويين والأكاديميين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي، في مناسبة استحضرت مكانة عالم كرّس حياته للغة العربية، وجعل من البحث والتدريس والتأليف مشروعاً علمياً متواصلاً.

وأكد وزير الثقافة أن تكريم الدكتور مازن المبارك يمثل وفاءً لقامة علمية وثقافية تركت أثراً عميقاً في المشهد العربي، مشيراً إلى أن الراحل لم يكن مجرد أستاذ جامعي أو باحث في علوم اللغة، بل كان أحد حراس العربية الذين جمعوا بين دقة العالم وخلق المعلم، وتركوا بصمة واضحة في مسيرة الفكر والثقافة السورية والعربية.

وتضمن الحفل ندوة فكرية شارك فيها الأستاذ الدكتور محمد حسان الطبّان والدكتور أيمن الشوا، تناولت محطات من حياة العلامة الراحل ومسيرته العلمية، واستعرضت جهوده في دراسة النحو العربي وتحقيق كتب التراث، إضافة إلى دوره في خدمة اللغة العربية وتعزيز حضورها في المؤسسات العلمية والجامعية.

ابن دمشق الذي خرج من بيت العلم

ولد الدكتور مازن المبارك في دمشق عام 1930، في أسرة علمية عريقة ارتبط اسمها باللغة والمعرفة، فهو ابن العلامة الشيخ عبد القادر المبارك، أحد الأعضاء المؤسسين للمجمع العلمي العربي الذي أصبح لاحقاً مجمع اللغة العربية بدمشق، وشقيق الأستاذ والمفكر محمد المبارك.

نشأ الراحل في بيئة دمشقية عرفت بالعلم والاهتمام بالتراث العربي، حيث كان للبيت الذي تربى فيه أثر كبير في تكوين شخصيته العلمية، فنهل من مجالس العلماء وكتب اللغة والأدب، قبل أن يبدأ رحلته الأكاديمية التي قادته إلى أن يصبح واحداً من أبرز المتخصصين في علوم العربية.

وتعود جذور أسرته إلى الشيخ محمد المبارك الدلسي القيرواني، الذي قدم إلى دمشق مع الأمير عبد القادر الجزائري بعد عام 1854، واستقرت الأسرة في المدينة، محافظة على حضورها العلمي والثقافي عبر أجيال متعاقبة.

رحلة علمية من دمشق إلى القاهرة

تلقى مازن المبارك علومه الأولى في دمشق، ثم التحق بجامعة دمشق حيث حصل على إجازة في الآداب وأهلية التعليم الثانوي، قبل أن يتابع دراساته العليا في جامعة القاهرة، التي نال منها درجتي الماجستير والدكتوراه في الآداب وعلوم اللغة العربية.

شكلت هذه الرحلة العلمية أساساً لمساره البحثي، إذ انصرف منذ بداياته إلى دراسة قضايا النحو العربي، وتحليل مؤلفات أعلام اللغة، وإعادة قراءة التراث النحوي بمنهج علمي يجمع بين التحقيق والدراسة النقدية.

وخلال مسيرته الجامعية، ارتبط بعلاقات علمية مع عدد من أعلام عصره، وكان من بين زملائه في جامعة دمشق الدكتور عبد الكريم الأشتر والأستاذ عاصم بهجة البيطار، ضمن جيل علمي أسهم في إثراء الحياة الثقافية السورية.

أستاذ جامعي وصانع أجيال

أمضى الدكتور مازن المبارك سنوات طويلة في التدريس الجامعي، متنقلاً بين عدد من الجامعات العربية، فدرّس في جامعة دمشق، وجامعة الرياض، وجامعة قطر، والجامعة اللبنانية، كما تولى رئاسة قسم اللغة العربية في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي.

وخلال عمله الأكاديمي، لم يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل أسهم في بناء أجيال من الباحثين والمتخصصين في اللغة العربية، وكان معروفاً بقدرته على الجمع بين عمق المادة العلمية ووضوح العرض، ما جعله قريباً من طلابه ومحبيه.

كما كان عضواً في اتحاد الكتاب العرب منذ تأسيسه، وعضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية بدمشق، وشارك في أعمال لجانه العلمية المتخصصة، ولا سيما اللجان المرتبطة بالمعجمات واللغة العربية وعلومها والمعجم التاريخي للغة العربية.

إرث لغوي ومكتبة حافلة بالمؤلفات

ترك العلامة مازن المبارك وراءه إنتاجاً علمياً واسعاً شمل التأليف والتحقيق والدراسات اللغوية، وأصبحت العديد من كتبه مراجع أساسية في الدراسات العربية الحديثة.

ومن أبرز مؤلفاته كتاب "الرماني النحوي في ضوء شرحه لكتاب سيبويه"، الذي تناول فيه شخصية أحد كبار علماء النحو العربي، وكتاب "الزجاجي: حياته وآثاره ومذهبه النحوي"، إضافة إلى كتب "النحو العربي"، و"النصوص اللغوية"، و"الموجز في تاريخ البلاغة"، و"نحو وعي لغوي".

كما اهتم بقضايا اللغة العربية المعاصرة، فألف كتباً تناولت مكانة العربية في التعليم والبحث العلمي، ومن بينها "اللغة العربية في التعليم العالي والبحث العلمي"، و"اللغة العربية هوية ونسب"، و"اللغة العربية حصن الأمة"، مؤكداً أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل مكوّن أساسي من مكونات الهوية والثقافة.

محقق للتراث وحارس للنصوص القديمة

إلى جانب التأليف، كان للدكتور مازن المبارك دور بارز في تحقيق كتب التراث العربي وإخراجها بصورة علمية، ومن أهم أعماله تحقيق كتاب "الإيضاح في علل النحو" للزجاجي، وتحقيق "مغني اللبيب" لابن هشام بالاشتراك مع الأستاذ محمد علي حمد الله، بإشراف أستاذهما العلامة سعيد الأفغاني.

كما حقق عدداً من مؤلفات ابن جني والزجاجي، ومنها "كتاب اللامات"، و"المباحث المرضية المتعلقة بمن الشرطية"، و"المقتضب"، و"الألفاظ المهموزة"، و"عقود الهمز"، ليترك بذلك أثراً مهماً في حفظ النصوص النحوية وإتاحتها أمام الباحثين.

شيخ النحاة وجائزة تقدير عربية

حظي الدكتور مازن المبارك بمكانة واسعة بين علماء العربية، حتى وصفه تلامذته بـ"شيخ النحاة"، نظراً إلى سعة اطلاعه وتمكنه من علوم اللغة والنحو، وقدرته على الربط بين التراث العربي واحتياجات العصر.

وفي عام 2025، نال جائزة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية تقديراً لمسيرته العلمية وإسهاماته في خدمة العربية، لتكون واحدة من محطات التكريم التي سبقت رحيله.

كما أفرد تلميذه الدكتور أحمد محمد قدور كتاباً بعنوان "مازن المبارك: جهوده العلمية وجهاده في سبيل العربية"، تناول فيه سيرته ومسيرته العلمية وإسهاماته في الدفاع عن اللغة العربية.

رحيل عالم بعد قرن من العطاء

توفي العلامة الدكتور مازن المبارك في دمشق في 25 تموز/يوليو 2026، عن عمر ناهز مئة عام هجرية، بعد حياة امتدت قرابة قرن من الزمن، أمضاها في التدريس والبحث والتأليف والتحقيق.

وشُيّع جثمانه بعد الصلاة عليه في جامع الطيب المبارك بحي المزة في دمشق، بحضور عدد من العلماء والمثقفين وطلابه ومحبيه، وأقيم له تأبين شارك فيه عدد من الشخصيات الدينية والعلمية، قبل أن يوارى الثرى في مقبرة الباب الصغير.

ونعت الراحل جهات رسمية وثقافية عدة، بينها مجمع اللغة العربية بدمشق، ووزارة التعليم العالي، ووزارة الثقافة، واتحاد الكتاب العرب، معتبرة رحيله خسارة كبيرة للثقافة العربية وللمشهد العلمي السوري.

وبرحيل الدكتور مازن المبارك فقدت العربية واحداً من أبرز علمائها في العصر الحديث، غير أن مؤلفاته وتحقيقاته وطلابه ستبقي حضوره قائماً، شاهداً على مسيرة عالم جعل من اللغة العربية رسالة عمر وحياة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ