من الشائعة إلى "الترند".. شبكات مجهولة والذكاء الاصطناعي يوسعان تأثير الذباب الإلكتروني في سوريا
من الشائعة إلى "الترند".. شبكات مجهولة والذكاء الاصطناعي يوسعان تأثير الذباب الإلكتروني في سوريا
● مجتمع ١٤ سبتمبر ٢٠٢٦

من الشائعة إلى "الترند".. شبكات مجهولة والذكاء الاصطناعي يوسعان تأثير الذباب الإلكتروني في سوريا

تحولت منصات التواصل الاجتماعي في سوريا إلى مساحة رئيسية لمتابعة الأخبار وتشكيل المواقف تجاه الأحداث، بالتوازي مع نشاط متزايد لحسابات وشبكات تعمل على نشر محتوى محدد وتكراره وتضخيمه حتى يتحول إلى قضية واسعة التداول، وهو ما يضع المستخدم أمام تحدٍ يتعلق بالتمييز بين التفاعل الحقيقي والحملات المنظمة التي تسعى للتأثير في الرأي العام.

ويُستخدم مصطلح "الذباب الإلكتروني" للإشارة إلى شبكات من الحسابات التي تنشط بصورة منسقة لدفع رواية أو موقف معين إلى الواجهة، وقد ازداد تأثير هذه الظاهرة مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على إنتاج المحتوى وتسريع عمليات النشر والتفاعل، فيما تصبح الخطورة أكبر عندما تستهدف الحملات ملفات اجتماعية وأمنية وسياسية حساسة.

كيف تُصنع الحملة الإلكترونية؟

قال مصعب الياسين، الصحفي الاستقصائي والناشط في مجال مكافحة التضليل، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الذباب الإلكتروني يعتمد على مجموعات من الحسابات التي قد يديرها أشخاص أو بوابات إلكترونية أو أدوات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتستخدم للتلاعب بالنقاش العام وفرض رؤية محددة داخل المساحات الإلكترونية.

وأوضح الياسين أن بعض الحملات قد تنطلق من قضية موجودة فعلياً، قبل أن تعمل الحسابات المشاركة فيها على تضخيمها وتوجيه النقاش المتعلق بها، وصولاً إلى تكوين انطباع بأن موقفاً معيناً يحظى بتأييد واسع، أو دفع المستخدمين نحو تبني رؤية محددة تجاه حكومة أو منظمة أو مجتمع.

وأشار إلى أن إحدى أبرز المشكلات تكمن في صعوبة معرفة الجهة التي تقف خلف الحسابات، وما إذا كانت تدار من داخل البلاد أو خارجها، ومن أشخاص حقيقيين أو عبر أدوات مؤتمتة، ما يجعل البحث عن مصدر الحملة والهدف منها جزءاً أساسياً من عملية التحقق.

وتبدأ بعض الحملات بنشر معلومة أو رواية عبر عدد محدود من الحسابات، ثم يعاد تداولها بكثافة من خلال شبكة أوسع، لتنتقل تدريجياً من منشورات متفرقة إلى موضوع رائج، وهو ما قد يمنح المحتوى انطباعاً بالانتشار الطبيعي حتى عندما يكون جانب من التفاعل منظماً أو مصطنعاً.

ملفات حساسة في دائرة الاستهداف

ذكر الياسين أن متابعته لحملات التضليل خلال الفترة الماضية أظهرت نشاطاً إلكترونياً حول عدد من الملفات السورية الحساسة، مشيراً إلى قضايا مرتبطة بـ"قسد" والسقيلبية وفلول نظام الأسد البائد وميليشيات الهجري، ومعتبراً أن بعض الحسابات المجهولة استثمرت هذه الملفات في بث أخبار زائفة أو مضللة وخطابات يمكن أن تزيد الانقسام داخل المجتمع.

وحذر من أن خطورة هذه الحملات تتضاعف عندما تنتقل آثارها من الفضاء الرقمي إلى الواقع، لأن مواقع التواصل أصبحت مصدراً أساسياً للمعلومات بالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريين، كما باتت النقاشات التي تتصدرها قادرة على التأثير في المزاج العام وطريقة التعامل مع الأحداث.

وأكد الياسين أن مواجهة الظاهرة تستدعي البحث في هوية الحسابات التي تطلق الحملات والعلاقات التي تربط بينها، إضافة إلى محاولة معرفة الجهات المستفيدة منها، وعدم التعامل مع انتشار المحتوى أو ارتفاع عدد التفاعلات باعتباره دليلاً كافياً على صحة المعلومات أو على أن التفاعل يعبر بالضرورة عن اتجاه حقيقي لدى المجتمع.

الذكاء الاصطناعي يرفع قدرة الشبكات على التضخيم

لفت الياسين إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي أضافت تحديات جديدة إلى هذا النوع من النشاط، من خلال تسهيل إنتاج كميات كبيرة من المحتوى وتشغيل حسابات متعددة والمساهمة في عمليات إعادة النشر والتفاعل والتضخيم، بما يساعد الحملات على الوصول إلى نطاق أوسع خلال وقت قصير.

وأوضح أن هذا النشاط قد يدفع موضوعاً معيناً إلى صدارة التداول ويمنحه حضوراً يفوق حجمه الحقيقي، ما يجعل مراقبة نمط الحسابات وتوقيت إنشائها وطبيعة منشوراتها وتشابه المحتوى المتداول بينها مؤشرات مهمة عند محاولة اكتشاف الحملات المنسقة.

ودعا الياسين المؤسسات الحكومية والإعلامية إلى تطوير برامج مستدامة للتوعية بمخاطر التضليل والحملات الإلكترونية، تستهدف الصحفيين ونشطاء المجتمع المحلي والجمهور، وتستخدم التلفزيون والإذاعة والمنصات الرقمية لشرح أساليب التضليل وطرق التحقق من الأخبار والحسابات.

وشدد على أن مسؤولية المستخدم تبدأ بالتوقف أمام الحملات المفاجئة قبل المشاركة فيها، والبحث عن المصدر الأصلي للمعلومة، وفحص الحسابات التي تدفع بها إلى التداول، ومقارنة ما تنشره بالمصادر الموثوقة، خاصة عندما يتعلق المحتوى بقضايا يمكن أن تؤثر في العلاقات بين مكونات المجتمع.

ويضع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي الجمهور والمؤسسات الإعلامية أمام تحدٍ متجدد، إذ لم تعد كثافة المنشورات أو آلاف التفاعلات مؤشراً كافياً على حجم التأييد الحقيقي، فيما يبقى التحقق من مصدر المعلومة وفهم الطريقة التي انتشرت بها ومعرفة الحسابات التي تقود تداولها من أهم الأدوات للحد من تأثير التضليل وحماية النقاش العام والسلم الأهلي.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ