كفرلاها بعد عودة الأهالي.. ضغط متزايد على السكن والخدمات والبنية التحتية
تشهد مدينة كفرلاها في ريف حمص عودة واسعة للأهالي بعد سنوات من النزوح، ما يضع المدينة أمام تحديات تتعلق بتأمين السكن والخدمات والبنية التحتية وفرص العمل، في ظل الأضرار التي لحقت بالمنازل وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق خلال سنوات الحرب.
ومع تحسن عدد من الخدمات وبدء تنفيذ مشاريع لإعادة تأهيل بعض الشبكات والمرافق، تبرز فجوة بين حجم الاحتياجات والإمكانات المتاحة، خصوصاً مع ارتفاع عدد السكان وزيادة الضغط على البنية التحتية، فيما ترتبط استدامة العودة بقدرة العائلات على تأهيل مساكنها وتأمين مصادر دخل مستقرة.
العودة لا تعني الاستقرار
قال المهندس هاني الأحمد، رئيس مجلس مدينة كفرلاها، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن التحدي الأساسي أمام المدينة لم يعد تشجيع الأهالي على العودة بقدر ما أصبح توفير الظروف التي تجعل هذه العودة مستقرة ومستدامة.
وأوضح أن ذلك يتطلب العمل بالتوازي على ترميم المساكن وتأمين حلول للعائلات التي فقدت منازلها أو تعرضت منازلها للدمار، إلى جانب تحسين المياه والكهرباء والطرق والمدارس والمراكز الصحية، وتوفير فرص العمل ومعالجة مسائل الملكية والوثائق.
وبحسب الأحمد، يبلغ عدد سكان كفرلاها حالياً أكثر من 60 ألف نسمة، فيما لا تزال نسبة تقدر بنحو 10 بالمئة من إجمالي السكان خارج المدينة، ما يعني أن القسم الأكبر من الأهالي عاد بالفعل، بينما تحول التحدي إلى تأمين متطلبات استقرارهم.
السكن أبرز عوائق العودة
حدد الأحمد مجموعة من العوامل التي تحول دون عودة بقية العائلات، في مقدمتها أزمة السكن، إذ توجد منازل قديمة أو متضررة لم تعد صالحة للسكن، في حين تغير حجم بعض الأسر خلال سنوات النزوح.
وأشار إلى أن الأسرة التي غادرت المدينة قبل سنوات قد تكون تحولت اليوم إلى عدة أسر بعد زواج الأبناء، ما يجعل المنزل القديم غير قادر على استيعاب جميع أفرادها، حتى عندما يكون قابلاً للترميم.
ويرتبط بذلك عامل آخر يتمثل في ضعف القدرة المالية، إذ استنزفت سنوات النزوح مدخرات العديد من العائلات، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف البناء والترميم، ولذلك فإن امتلاك منزل أو قطعة أرض لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على العودة والسكن.
وأضاف أن بعض الأسر استقرت اقتصادياً واجتماعياً في مناطق النزوح أو بلدان اللجوء، وأصبحت لديها أعمال ومدارس وترتيبات معيشية جديدة، ما يجعل العودة من دون مصدر دخل ثابت خطوة تحمل أعباء اقتصادية إضافية.
الخدمات تتحسن والضغط يتزايد
وفيما يتعلق بواقع الخدمات، أوضح الأحمد أن قطاع المياه شهد تحسناً من خلال توسعة المصادر وتأهيل عدد من الآبار، إلا أن ارتفاع الطلب مع عودة السكان يفرض الحاجة إلى زيادة مصادر المياه وضمان استمرار الطاقة اللازمة لعمليات الضخ.
أما الكهرباء، فهي متوافرة لكنها ما تزال بحاجة إلى مزيد من الاستقرار والصيانة وتأهيل الشبكة وزيادة قدرتها على تحمل الطلب، خصوصاً أن انتظام التغذية ينعكس بصورة مباشرة على تشغيل آبار المياه والمرافق العامة.
وفي قطاع الصرف الصحي، أشار الأحمد إلى تشغيل محطة الصرف وتحسن الخدمة، مع بقاء مناطق وشوارع تحتاج إلى استكمال الشبكة ومعالجة تصريف مياه الأمطار، مقدراً نسبة الاحتياج المتبقي بنحو 30 بالمئة.
وبالنسبة إلى الطرق، بدأت مشاريع التأهيل فعلياً، إلا أن حجم الأضرار ما يزال أكبر من حجم التمويل وسرعة التنفيذ، وفق الأحمد، الذي أشار إلى أن نحو 90 بالمئة من شوارع المدينة تحتاج إلى درجات متفاوتة من إعادة التأهيل.
مشاريع مترابطة
رأى رئيس مجلس المدينة أن احتياجات كفرلاها لا يمكن التعامل معها كمشاريع منفصلة، نظراً إلى الترابط بين القطاعات الخدمية، إذ يؤثر ضعف الكهرباء في ضخ المياه، فيما تؤثر الطرق المتضررة في حركة السكان والوصول إلى الخدمات، وترتبط مشاريع الطرق بدورها بشبكات الصرف وتصريف مياه الأمطار.
وتشمل الأولويات الحالية تأهيل الشوارع والمحاور الرئيسية والطرق الرابطة مع المناطق المحيطة، وإصلاح العبّارات ومصارف مياه الأمطار، إلى جانب استكمال أعمال المياه من خلال إصلاح الآبار والشبكات ومحطات الضخ وزيادة المصادر.
وذكر الأحمد أن آباراً أُعيد تأهيلها، فيما دخل بئر جديد في كفرلاها الخدمة خلال عام 2026، بالتوازي مع استخدام الطاقة الشمسية لتأمين الضخ وتقليل تأثير اضطرابات الكهرباء.
وتشمل الاحتياجات كذلك إعادة تأهيل شبكة الكهرباء وزيادة عدد المحولات واستبدال المقاطع المتضررة، واستكمال شبكات الصرف الصحي، إلى جانب إعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية والمباني والمرافق العامة بما يتناسب مع أعداد السكان العائدين.
من الخدمات إلى فرص العمل
ولا تقتصر متطلبات الاستقرار، وفق الأحمد، على إعادة تأهيل البنية التحتية، إذ تحتاج المدينة إلى مشاريع تنموية تساعد العائلات على تأمين مصادر دخل، ولا سيما في القطاعات الزراعية والحرفية والتجارية والمشروعات الصغيرة.
وأوضح أن توفير المياه والكهرباء والطرق والخدمات يمثل جزءاً أساسياً من العودة، لكن استمرار الأسر في المدينة يحتاج أيضاً إلى فرص اقتصادية تقلل احتمالات اضطرارها إلى النزوح مجدداً بحثاً عن العمل.
مشاريع قائمة وفجوة تمويلية
أكد الأحمد أن عدداً من المشاريع نُفذ أو بدأ تنفيذه خلال عامي 2025 و2026 في قطاعات المياه والآبار والطرق والصرف الصحي والإنارة بالطاقة الشمسية، إضافة إلى مشاريع مرتبطة بتحسين الطرق التي تصل كفرلاها بالمناطق المحيطة.
وأشار إلى وجود أعمال مرتبطة بطريق تلدو–كفرلاها–تلذهب وتحويله باتجاه مصياف، بما يخفف الضغط عن الطرق الواقعة داخل التجمعات السكنية.
ورغم ذلك، أكد أن حجم الاحتياجات ما يزال أكبر من المشاريع المنفذة، معتبراً أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تمويل مستدام يسمح بالانتقال من التدخلات الإسعافية والجزئية إلى إعادة تأهيل أكثر شمولاً للشبكات والبنية التحتية.
عودة تحتاج إلى مقومات الاستمرار
وشدد رئيس مجلس مدينة كفرلاها على أن المجلس يحتاج إلى العمل في عدة مسارات بالتوازي، تشمل تأهيل المنازل والمرافق العامة، وتوسعة شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وإصلاح الطرق، ودعم المدارس والمراكز الصحية، وتوفير فرص العمل.
كما أشار إلى الحاجة إلى الآليات والكوادر الفنية اللازمة لتنفيذ أعمال الصيانة والمتابعة، موضحاً أن التحديات لا ترتبط بالتمويل وحده، وإنما أيضاً بالقدرة التنفيذية على متابعة المشاريع والمحافظة على الخدمات.
ومع عودة القسم الأكبر من سكان كفرلاها، تنتقل الأولوية تدريجياً من تأمين العودة نفسها إلى تثبيت الاستقرار، وهو ما يرتبط بقدرة مشاريع إعادة التأهيل على مواكبة الزيادة السكانية ومعالجة آثار سنوات من تضرر المساكن والبنية التحتية، بالتوازي مع توفير مقومات اقتصادية وخدمية تساعد العائلات على البقاء في مدينتها.