عودة أهالي القصير.. مدينة تستعيد خدماتها وتواجه آثار سنوات النزوح
عودة أهالي القصير.. مدينة تستعيد خدماتها وتواجه آثار سنوات النزوح
● مجتمع ٣ أكتوبر ٢٠٢٦

عودة أهالي القصير.. مدينة تستعيد خدماتها وتواجه آثار سنوات النزوح

تشهد مدينة القصير في ريف حمص عودة متزايدة لعائلاتها بعد سنوات من النزوح، بالتزامن مع أعمال لإعادة تأهيل الخدمات والبنية التحتية وإزالة آثار الدمار، فيما يواجه العائدون تحديات تتعلق بترميم المنازل واستعادة مصادر الدخل وإحياء النشاط الزراعي الذي كان يشكل مورداً أساسياً لعدد كبير من السكان.

ورغم التحسن الذي شهدته بعض الخدمات، من إزالة الأنقاض وفتح الطرقات وصيانة شبكات الصرف الصحي والكهرباء وترميم المدارس والمرافق، لا تزال احتياجات المدينة واسعة، خصوصاً في ظل حجم الأضرار التي لحقت بالمنازل والأراضي الزراعية والآبار وقنوات الري والمرافق العامة.

عودة أكثر من 60% من العائلات

قال طارق حصوة، رئيس مجلس مدينة القصير، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن أكثر من 60% من عائلات القصير المهجرة عادت إلى المدينة خلال الأشهر الثلاثة الأولى بعد التحرير.

وأوضح أن العائدين واجهوا في البداية واقعاً خدمياً صعباً، تمثل في الدمار الذي طال الممتلكات ونهب محتويات المنازل، وتضرر شبكة الصرف الصحي وانعدام الكهرباء وتراكم الركام في الشوارع، إلى جانب غياب الأسواق بمختلف أنواعها.

وأضاف أن تضافر جهود الجهات الحكومية وأهالي المدينة أسهم في بدء معالجة هذه المشكلات، من خلال إزالة الركام والسواتر ورفع الأنقاض وفتح الطرقات، مشيراً إلى رفع نحو 100 ألف متر مكعب من الأنقاض حتى الآن.

وبحسب حصوة، وصلت نسبة إنجاز أعمال صيانة شبكة الصرف الصحي إلى نحو 75%، كما تحسن واقع الكهرباء رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالشبكة، بما في ذلك تدمير محولات وسرقة أعمدة وكابلات.

مدارس وطرقات وخدمات قيد التأهيل

وأشار حصوة إلى ترميم معظم مدارس المدينة وعدد من المساجد، إلى جانب تحسين الطرقات وإنارة الشوارع والحدائق، فيما كان واقع مياه الشرب أفضل نسبياً، إذ احتاجت الشبكة إلى أعمال صيانة محدودة بعد تدخل منظمات في تأهيل محطة الضخ والبئر.

ولا تزال المدينة، بحسب حصوة، بحاجة إلى استكمال ترميم الطرقات والأرصفة وصيانة شبكة الصرف الصحي، إضافة إلى تأهيل الثانوية الصناعية وثانوية الفنون النسوية.

ولفت إلى وجود مشاريع خدمية قيد التحضير، بينها إعادة إعمار الجسور التي تعرضت للتدمير نتيجة استهدافات إسرائيلية، إضافة إلى إعادة تأهيل الطرقات التي تربط القرى بمدينة القصير.

العودة لا تنتهي بإصلاح الخدمات

تتجاوز احتياجات العائدين إعادة الكهرباء وفتح الطرقات، إذ يشكل تأمين مصدر مستدام للدخل أحد أبرز التحديات أمام الأسر التي تحاول الاستقرار مجدداً في المدينة.

وأكد حصوة أن المرحلة الحالية تتطلب دعم الأسر بمشاريع صغيرة تساعدها على مواجهة الظروف المعيشية، إلى جانب إعادة الحياة إلى القطاع الزراعي وترميم المنازل المتضررة، مشيراً إلى أن عائلات لا تزال تستخدم النايلون والشوادر لإغلاق أبواب ونوافذ منازلها.

سنوات النزوح غيرت المجتمع

من جانبه، قال نبيل سلام، مدير مكتب الإعلام الحكومي في القصير، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن سنوات النزوح تركت آثاراً اجتماعية واضحة على سكان المدينة، بعدما توزعت العائلات بين لبنان وإدلب ومناطق سورية أخرى، إضافة إلى بلدان أخرى.

وأوضح أن عودة السكان جمعت داخل المدينة عائلات وأطفالاً عاشوا سنوات في بيئات مختلفة، وهو ما انعكس، بحسب وصفه، على أنماط الحياة والتفكير واللباس، وظهر بشكل خاص بين الطلاب في المدارس.

وأشار إلى أن بعض الأطفال ولدوا ونشؤوا خلال سنوات النزوح خارج البيئة التي عاش فيها آباؤهم قبل الثورة، ما يضع المجتمع المحلي أمام مرحلة جديدة من إعادة بناء الروابط الاجتماعية بالتوازي مع إعادة بناء المدينة.

مصدر الرزق.. التحدي الأكبر

رأى سلام أن الخدمات الأساسية من خبز ومياه وصرف صحي وكهرباء أصبحت متاحة بدرجات مختلفة، لكن المشكلة الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى كثير من العائدين تتمثل في تأمين مصدر للرزق.

وأوضح أن القصير منطقة زراعية بالدرجة الأولى، مشيراً إلى أن المنطقة فقدت، وفق تقديراته، نحو عشرة ملايين شجرة مثمرة، فيما وجد كثير من العائدين أشجارهم مقطوعة وآبارهم مردومة وقنوات الري متضررة.

وأدى ذلك، بحسب سلام، إلى خسارة أسر كثيرة مصادر دخلها المرتبطة بالأراضي والبساتين، ولا سيما زراعة التفاح والمشمش، فيما بدأ بعض العائدين بمحاولات إعادة زراعة الأشجار وتنظيف الآبار وإصلاح الأراضي.

بين ترميم المنزل وإحياء البستان

تضع هذه الأضرار الأسر العائدة أمام أولويات متنافسة في ظل محدودية الإمكانات المالية، إذ يحتاج المنزل إلى الترميم في الوقت الذي تتطلب فيه الأرض الزراعية والآبار استثمارات لإعادتها إلى الإنتاج.

وقال سلام إن الوضع الاقتصادي للأهالي تغير بصورة كبيرة مقارنة بما كان عليه قبل سنوات النزوح، مشيراً إلى أن كثيراً من الأسر التي كانت تعتمد على الزراعة فقدت أصولها الإنتاجية، ما جعل العودة والاستقرار أكثر صعوبة.

وتظهر هذه المشكلة بصورة أوضح لدى العائلات التي لم تعد حتى الآن، إذ يبقى السؤال المتعلق بفرصة العمل ومصدر الدخل وقدرتها على إصلاح المنزل والأرض عاملاً أساسياً في اتخاذ قرار العودة.

مرافق عامة لا تزال متضررة

قدر سلام حجم الدمار في مدينة القصير بنحو 70%، موضحاً أن الأضرار طالت المنازل والشوارع والمدارس والدوائر الحكومية، رغم إعادة تأهيل جزء من هذه المرافق.

وأشار إلى أن السجل العقاري يعمل حالياً ضمن غرف مسبقة الصنع، فيما تضررت مرافق حكومية أخرى، كما تفتقر المدينة، بحسب قوله، إلى مشفى وطني ثابت، وتعتمد على خدمات طبية مؤقتة ومتنقلة.

ويرى أن استكمال شبكة الكهرباء وتأهيل المدارس وتوفير مشفى يشكل جزءاً من الاحتياجات الأساسية التي يطالب بها السكان لاستعادة الاستقرار الخدمي بصورة أوسع.

عودة مرتبطة بإعادة بناء سبل العيش

تكشف قضية القصير أن عودة السكان لا ترتبط بإعادة الخدمات الأساسية وحدها، وإنما بقدرة الأسر على استعادة منازلها ومصادر دخلها والشعور بإمكانية الاستقرار على المدى الطويل.

وبينما تتواصل أعمال إزالة الأنقاض وإصلاح الشبكات وترميم المرافق، يبقى إحياء الزراعة ودعم المشاريع الصغيرة وتأهيل المنازل والمرافق العامة من أبرز الملفات التي تحدد قدرة العائدين على تثبيت عودتهم، وتشجع العائلات التي لا تزال خارج المدينة على العودة إليها.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ