خطاب الكراهية بين الواقع والمنصات الرقمية… أبعاد متعددة وتأثيرات متزايدة
في ظل تصاعد النقاشات حول خطاب الكراهية وتأثيره على المجتمعات، يبرز هذا الملف واحداً من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً خاصة في السياق السوري الذي شهد تحولات عميقة خلال السنوات الماضية، وبين تداخل العوامل السياسية والاجتماعية والإعلامية، تتسع دائرة هذا الخطاب وتتخذ أشكالاً متعددة، ما يفرض ضرورة فهمه وتحليله بشكل أعمق.
وفي هذا الإطار، قالت عائشة صبري، صحافية من مدينة حمص، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن خطاب الكراهية هو أي تعبير أو تواصل (شفهي، كتابي، بصري، أو رقمي) يهاجم أو يحطّ من قدر أشخاص أو مجموعات بسبب صفات مرتبطة بهويتهم، مثل العِرق أو الأصل القومي أو الإثني أو الدين أو الجنس أو التوجه الجنسي أو الإعاقة أو غير ذلك من الخصائص المحمية.
ونوّهت إلى أنه قد يتراوح من الإهانات والتحقير إلى التحريض على التمييز أو العنف، وبيّنت أن هذا الخطاب يركز على المحتوى الذي يحرض على الكراهية أو التمييز أو العنف ضد الأشخاص بسبب انتمائهم إلى مجموعة معينة.
أشكال خطاب الكراهية
وتحدثت صبري عن أشكال خطاب الكراهية في الواقع وعلى منصات التواصل الاجتماعي، فلفتت إلى أنها تشمل الشتائم أو التعليقات العنصرية، والسخرية من المعتقدات الدينية أو الخلفيات العرقية بهدف الإهانة، ورفض التعامل مع أشخاص بسبب انتمائهم لهوية معينة، والشعارات أو اللافتات التي تدعو إلى استبعاد جماعة أو معاقبتها.
وأضافت أن من أشكاله أيضاً استخدام الوسوم (الهاشتاغات) التي تحرض على الكراهية، ونشر صور أو فيديو أو رسوم ساخرة ومهينة لفئة من الناس، ونشر معلومات مضللة تهدف إلى تأجيج العداء ضد مجموعة معينة، إلى جانب حملات التنمر الجماعية التي تستهدف أفراداً بسبب هويتهم.
وأكدت ضرورة التمييز بين خطاب الكراهية وحرية التعبير، موضحة أنه ليس كل رأي حاد أو نقدي يُعد خطاب كراهية، وبيّنت أن النقد الموجه إلى أفكار أو سياسات أو سلوكيات، حتى لو كان قاسياً، يختلف عن مهاجمة الأشخاص أو الجماعات بسبب هويتهم، وذكرت أن النقطة الفاصلة غالباً هي ما إذا كان الخطاب يستهدف أفراداً أو مجموعات على أساس صفاتهم الجوهرية ويشجع على الاحتقار أو التمييز أو العنف ضدهم.
أسباب انتشار خطاب الكراهية
وفي حديثها عن أسباب انتشار خطاب الكراهية، أشارت صبري إلى أن الأسباب الرئيسية تعود إلى عقود طويلة منذ تسلم حزب البعث الحكم في سوريا عبر ثورة الثامن من آذار عام 1963، ثم تسلم حافظ الأسد الرئاسة منذ 12 آذار/مارس 1971، وأضافت أن الجرائم لا تسقط بالتقادم.
وأردفت، أنه مع اندلاع ثورة 15 آذار 2011 تفاقمت أسباب خطاب الكراهية، ولفتت إلى أنه بعد تحرير سوريا ساهم غياب العزل السياسي والاجتماعي لشخصيات مرتبطة بدعم النظام الأسدي، والتأخير الكبير في تطبيق العدالة الانتقالية لمحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات بحق السوريين، في تعزيز هذا الخطاب.
كما ذكرت صبري، خلال حديثها عن لقائها مع وزير الإعلام الدكتور خالد زعرور، أنه أوضح أهمية معالجة خطاب الكراهية، خاصة الخطاب الطائفي، ونوّهت إلى أن البداية تكون في التعريف بهذا الخطاب والتفريق بين القضايا، وأشارت إلى قوله إن "هذا الخطاب لا يُدرج بين قاتل ومقتول، بل ينبغي أولًا تحديده ثم تطبيق القانون".
وأضافت أنه بعد أحداث الساحل السوري في آذار 2025، وتلاها أحداث السويداء في تموز 2025، بدأت ماكينة إعلامية يتزعمها أشخاص يعيشون خارج سوريا، من صحفيين وفنانين وغيرهم، ومنهم معارضون سابقون للنظام، في استغلال هذين الحدثين رغم فتح الدولة تحقيقات رسمية واعتقال متورطين إضافة إلى العزف على وتر خطف الأقليات عبر ما يسمونه "السبي".
وأشارت إلى أنهم استمروا في تأجيج خطاب الكراهية عبر المداخلات الصحفية والنشر على حساباتهم الشخصية ووسائل الإعلام التي يعملون فيها، ولفتت إلى أنهم يتفاعلون مع كل ترند جديد يصنعونه، وسط سهولة انتشار خطاب الكراهية على حساب خطاب العقلانية، وتغليب لغة العاطفة على لغة العقل ما يؤدي إلى تآكل المجال العام وإضعاف القدرة على الحوار وتطبيع العنف الرمزي الذي يسبق العنف المادي.
وفي حديثها عن خطورة خطاب الكراهية، قالت صبري إن أخطر ما فيه أنه لا ينتهي بانتهاء المعارك، وأضافت أن اللغة التي تنزع إنسانية الآخر تترك أثراً طويل الأمد في الوعي الجمعي، وأشارت إلى أن إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت بل بإعادة بناء اللغة والحوارات الداخلية وتعزيز التفكير النقدي، وتعزيز الرسائل الإعلامية التي تحض على التحليل وصيانة الوعي.
وفيما يتعلّق بالفئات الأكثر تأثراً، ذكرت أن الفئات التي تشعر بالمظلومية هي الأكثر تأثراً، وأضافت أن بعض هذه الفئات كانت معتادة على أنماط حياة قائمة على الفساد والجرائم في عهد النظام الأسدي، وعندما فقدت ذلك لجأت إلى تعزيز خطاب الكراهية عبر نشر المظلومية باستخدام التضليل الإعلامي.
وبيّنت أن التضليل الإعلامي نوعان: الإشاعة التي تضخم الأخبار وتغير حقيقتها، والشائعة التي تختلق أخباراً غير موجودة، ونوّهت إلى أن هذا التضليل يعززه التحيز غير الواعي والتحامل التأكيدي، مما يضعف قدرة الأفراد على التمييز، وأشارت إلى أن جميع الأطراف في سوريا تقع ضحية لهجمات التضليل التي تغذيها دوافع طائفية أو إثنية أو أيديولوجية.
كما تحدثت عن دور وسائل التواصل الاجتماعي، فلفتت إلى أنها ساهمت في دفع السوريين أكثر نحو الكراهية، رغم إيجابياتها في كسر احتكار الرواية الرسمية، وأشارت إلى أن خوارزميات الوصول تكافئ الإثارة والاستفزاز لا الاعتدال، وذكرت أن المحتوى العاطفي ينتشر أسرع من المحتوى المتزن الذي يخاطب العقل ويحتاج إلى آليات تفكير يفتقر إليها من ينجر وراء التحفيزات الغريزية، فقد تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع للسرديات المختلفة.
وفيما يخص التوعية، قالت صبري إن المسؤولية تقع بشكل كبير على الصحفيين عبر تكثيف النشر، مضيفة أن وزارة الإعلام مطالبة بإعداد برامج توعية عبر قنواتها الرسمية، وأشارت إلى دور المنبر الديني في صوغ التفكير العام، ولفتت إلى دور وزارات الثقافة، التربية والتعليم، التعليم العالي والبحث العلمي، والأوقاف في نشر الوعي عبر الندوات ووسائل التواصل، ما يسهم في تعزيز الحوار.
وعن دور الأسرة، شددت على أهمية توعية الطفل وتنبيهه من التنمر وتربيته على الاحترام وربط ذلك بالقيم الدينية والأخلاقية، وتعليمه رفض خطاب الكراهية.
وفي رسالتها للمجتمع، أكدت أنها تدعو إلى عدم مسامحة من أجرم وأكل الحقوق، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة احترام القانون، والالتزام بتوجيه النقد نحو الفعل أو القول، بعيداً عن العرق أو الدين أو الشكل أو الانتماء السياسي.
ويُعد خطاب الكراهية أحد الظواهر السلبية في المجتمع، لما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات تمس التماسك الاجتماعي وتؤدي إلى الانقسام، ما يتطلب تكثيف الجهود في التوعية والحد من انتشاره بمختلف الوسائل المتاحة.