حين يتقدم الزواج على التعليم: قرارات الأسرة وتأثيرها على الفتاة
بينما تعتبر بعض العائلات في سوريا أن تعليم الفتاة عنصر أساسي في بناء مستقبلها وتنمية قدراتها، وتحرص على دعمها في إكمال دراستها، ترى عائلات أخرى أن الأولوية تكمن في الزواج، انطلاقاً من اعتقاد بأن هذا المسار يمثل الاستقرار الأهم في حياة الفتاة.
وفي هذا السياق، تمتنع بعض الأسر عن الاستمرار في تعليم بناتها، ليس بالضرورة رفضاً للتعليم بحد ذاته، وإنما نتيجة قناعات اجتماعية وثقافية متوارثة تحدد أدوار المرأة ومسار حياتها، هذا التباين في المواقف يعكس اختلافاً في التصورات داخل المجتمع، ويؤثر بشكل مباشر في الفرص المتاحة أمام الفتيات، خاصة اللواتي يرغبن في متابعة تعليمهن وبناء مسارهن المهني.
قالت الأخصائية النفسية ميسم سواس في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن قرارات الأسرة لا تنشأ بمعزل عن البيئة الثقافية والاجتماعية، بل تتشكل وفقاً لما يُعرف بالمعايير الاجتماعية والمعتقدات المشتركة داخل المجتمع، موضحةً أن الأفراد يكتسبون المعتقدات والأدوار الجندرية من خلال الملاحظة والتقليد والتعزيز الاجتماعي، مما يؤدي إلى ترسيخ الاعتقاد بأن تعليم الذكور أكثر أهمية من تعليم الإناث.
وأضافت أن التوقعات الوالدية تؤثر في القرارات التعليمية، إذ تشير الدراسات إلى أن انخفاض توقعات الوالدين تجاه قدرات البنات وفرصهن المستقبلية يرتبط بانخفاض الاستثمار في تعليمهن، لافتةً إلى أن الضغوط الاقتصادية تشكل عاملاً مهماً، حيث تميل الأسر محدودة الدخل إلى اتخاذ قرارات تستند إلى العائد الاقتصادي المتوقع من التعليم، وقد تعتقد أن هذا العائد أعلى لدى الذكور مقارنة بالإناث.
وأشارت إلى أن بعض الأسر تعتقد أن الدور الأساسي للمرأة هو الزواج والأمومة، وبالتالي يصبح التعليم أمراً ثانوياً، ويرتبط ذلك بمعتقدات راسخة مثل الاعتقاد بأن الزواج هو الضمان الأساسي لمستقبل الفتاة، وأن التعليم لن يغير من دورها الأسري، أو أن المرأة لا تحتاج إلى مؤهل علمي طالما ستتولى مسؤوليات المنزل.
ونوهت إلى أن البعض قد يعتقد أن التعليم قد يؤخر الزواج أو يؤثر في التزام الفتاة بالقيم الأسرية، وهي أفكار لا تستند إلى أدلة علمية، بل إلى تصورات اجتماعية موروثة، وبيّنت أن نظرية الدور الاجتماعي تشير إلى أن توزيع الأدوار التقليدية بين الجنسين يؤدي إلى ترسيخ تصورات نمطية حول قدرات المرأة وواجباتها، مما يدفع بعض الأسر إلى الاعتقاد بأن الزواج يوفر للفتاة مستقبلاً أكثر استقراراً من التعليم.
ولفتت إلى أنه من الناحية النفسية يشبع التعليم ثلاث حاجات أساسية هي الاستقلالية، والكفاءة، والانتماء، موضحةً أن التعليم يسهم في تنمية الكفاءة الذاتية، وهي اعتقاد الفرد بقدرته على النجاح في مواجهة التحديات.
وذكرت أنه عندما تُحرم الفتاة من التعليم، فإن فرص تطوير الكفاءة الذاتية والاستقلالية واتخاذ القرار تتراجع، مما قد يزيد من اعتمادها على الآخرين، كما يضيق فرصها في الحصول على عمل مناسب وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وكذلك يقلل من شعورها بالانتماء وقدرتها على التعامل مع المشكلات الحياتية واتخاذ قرارات واعية بشأن صحتها وأسرتها ومستقبلها.
وتحدثت عن تفسير ذلك من خلال النموذج البيئي الذي يرى أن نمو الفرد يتأثر بتفاعل عدة أنظمة بيئية، تشمل الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والسياسات العامة، موضحةً أن الفتيات اللاتي ينشأن في أسر تؤمن بقيمة التعليم وتحظين بدعم اجتماعي ومؤسسات تعليمية مناسبة تكون فرص استمرارهن في التعليم أكبر.
وأوضحت أن الفتيات في البيئات التي تنتشر فيها الأعراف المقيدة لتعليم الإناث أو تعاني من الفقر وضعف الخدمات التعليمية، تزداد احتمالات التسرب أو الحرمان من التعليم.
وأكدت أن تعديل الاتجاهات يحتاج إلى معالجة المعتقدات وليس مجرد تقديم المعلومات، مشيرةً إلى أن تغيير قناعات الأسرة لا يتحقق بالانتقاد أو فرض الآراء، وإنما من خلال تعديل المعتقدات والاتجاهات تدريجياً، فكلما أدرك الوالدان أن تعليم الفتاة يعزز ثقتها بنفسها، وينمي مهاراتها في حل المشكلات واتخاذ القرار، ويزيد من قدرتها على بناء أسرة مستقرة مستقبلاً، أصبحت مواقفهما أكثر إيجابية تجاه استمرارها في التعليم.
وشددت على أن الحوار مع الأسر واحترام قيمها، مع توضيح الفوائد النفسية والاجتماعية والاقتصادية للتعليم، يسهم في تقليل المقاومة للتغيير ويعزز اقتناعهم بأن تعليم الفتاة لا يتعارض مع دورها الأسري، بل يدعمه ويطوره وهو جزء أساسي منه.
وأفادت بأن التدخلات الأكثر فاعلية هي التدخلات متعددة المستويات، وتشمل تعزيز برامج الإرشاد النفسي والتربوي للأسر، وتقديم حوافز مالية ومنح تعليمية للأسر منخفضة الدخل، وتوفير بيئات مدرسية آمنة وداعمة نفسياً، وتنفيذ حملات إعلامية تهدف إلى تغيير الصور النمطية حول أدوار المرأة، وتدريب المعلمين على تطبيق ممارسات تعليمية تراعي الفروق بين الجنسين وتعزز العدالة التعليمية، إضافة إلى سن سياسات تضمن حق الفتيات في التعليم وتحد من التسرب والزواج المبكر.
من جانب آخر، يرى مختصون في علم الاجتماع أن مسألة الحد من تعليم الفتيات لا ترتبط فقط بقرار فردي داخل الأسرة، بل تتصل بمنظومة أوسع من القيم والتصورات التي تحدد أدوار المرأة في المجتمع، ويشيرون إلى أن بعض هذه القناعات ترسخت عبر سنوات طويلة، ما يجعل تغييرها يحتاج إلى وقت وجهود توعوية مستمرة، وليس مجرد قرارات آنية.
ويضيف المختصون أن إيقاف تعليم الفتاة لا يؤثر على مسارها الشخصي فقط، بل ينعكس أيضاً على المجتمع ككل، إذ يحدّ من فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية للنساء، ويؤثر على مستوى الوعي داخل الأسرة مستقبلاً، كما يؤكدون أن التعليم لا يتعارض مع الزواج، بل يمكن أن يكون عاملاً داعماً لاستقرار الأسرة، من خلال تمكين المرأة وتعزيز قدرتها على اتخاذ قرارات واعية.