"ثقافة الاعتذار" بعد سقوط الأسد .. مراجعة للماضي أم خطوة على طريق المصالحة في سوريا؟
أعادت اعتذارات صدرت عن شخصيات وأفراد بشأن مواقف سابقة اتخذوها تأييداً لنظام الأسد البائد أو دفاعاً عنه، طرح نقاش واسع حول قيمة الاعتذار المتأخر في سوريا، ومدى قدرته على الإسهام في معالجة إرث السنوات الماضية، والحدود الفاصلة بين مراجعة الموقف السياسي وبين المسؤولية عن الانتهاكات والجرائم.
وتطرح هذه الاعتذارات أسئلة تتصل بالعدالة الانتقالية وحقوق الضحايا، وما إذا كان الاعتراف المتأخر بالخطأ يستطيع فتح الطريق أمام المصالحة المجتمعية، أم أن قيمته تبقى مرتبطة بمضمون الاعتذار وما يتبعه من أفعال، وبطبيعة الدور الذي أداه صاحبه خلال المرحلة السابقة.
الموقف السياسي لا يعني مسؤولية جنائية
قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن مراجعة الإنسان لمواقفه السابقة والاعتراف بخطئه أمر إيجابي من حيث المبدأ، مؤكداً أن المرحلة الجديدة في سوريا لا ينبغي أن تُبنى على الوصم الدائم لكل شخص سبق أن اتخذ موقفاً سياسياً مؤيداً للنظام السابق.
وأوضح أن العدالة الانتقالية لا تقوم على استبدال حالة إقصاء بأخرى، وإنما على المسؤولية الفردية والتمييز بين الأشخاص استناداً إلى أفعالهم الفعلية والأدلة المتوافرة بشأنها.
وأشار إلى أن تعبير «الموالاة للنظام» يضع تحت عنوان واحد حالات شديدة الاختلاف، فمن الأشخاص من كان مؤيداً سياسياً أو صامتاً أو خائفاً، ومنهم من أنكر الانتهاكات أو بررها أو شهّر بالضحايا، بينما استخدم آخرون نفوذهم للتحريض أو الوشاية، أو ساعدوا الأجهزة الأمنية وأسهموا بصورة مباشرة في الاعتقال أو التعذيب أو القتل.
وأكد عبد الغني أنه لا يمكن التعامل مع جميع هذه الحالات بالمقياس نفسه، مضيفاً: «الموقف السياسي، مهما كان تقييمنا الأخلاقي له، لا ينشئ في ذاته مسؤولية جنائية، أما عندما ينتقل السلوك من مجرد التعبير عن الرأي إلى المساهمة في جريمة، فإننا ننتقل إلى مجال مختلف تماماً».
المسؤولية ترتبط بالفعل والأدلة
أوضح عبد الغني أن المادة 25 من نظام روما الأساسي تقدم، بوصفها مرجعاً تحليلياً للمسؤولية الجنائية الفردية، تمييزاً بين ارتكاب الجريمة، والأمر بارتكابها أو الحث عليها، والمساعدة أو التسهيل، والمساهمة المقصودة في جريمة ترتكبها جماعة.
وبيّن أن تطبيق أي من صور المسؤولية يتطلب إثبات عناصر محددة مرتبطة بالفعل والقصد أو العلم، مشدداً على عدم جواز استنتاج المسؤولية الجنائية من الاصطفاف السياسي وحده.
وأكد ترحيبه بالمراجعة الصادقة للمواقف السابقة، لكنه شدد في الوقت ذاته على رفض العقاب الجماعي بسبب موقف سياسي سابق، ورفض استخدام الاعتذار وسيلة لمحو مسؤولية فردية محتملة عن انتهاك أو جريمة.
متى يكون الاعتذار صادقاً؟
حدد عبد الغني الاعتراف الواضح بالخطأ نقطة البداية في أي اعتذار جدي، موضحاً أن إعلان الأسف بصورة عامة لا يحمل بالضرورة المعنى نفسه الذي يحمله الاعتراف المحدد بالفعل والضرر الذي نتج عنه.
وأشار إلى أربعة عناصر أساسية تمنح الاعتذار قيمته، تتمثل في تسمية الضرر والاعتراف به، وتحمل المسؤولية بصورة صادقة، والتعبير الواضح عن الندم بطريقة تحترم كرامة الضحايا، وتقديم ما يعكس ضمان عدم تكرار السلوك.
وبيّن أن تقييم صدقية الاعتذار يمر عبر أسئلة تتعلق بمدى وضوح الشخص بشأن ما فعله أو قاله، وما إذا كان يعترف بالوقائع والضحايا، لافتاً إلى أن صيغة مثل «إذا كنت قد أسأت إلى أحد فأنا أعتذر» لا تمثل، وفق تقييمه، اعترافاً حقيقياً بالفعل.
وأضاف أن الاعتذار لا يستقيم مع استمرار إنكار التعذيب أو الاختفاء القسري أو قتل المدنيين، كما ينبغي النظر إلى ما إذا كان المعتذر يتحمل نصيبه الشخصي من المسؤولية، أم يستخدم الاعتذار لتبرير موقفه السابق.
تصحيح الرواية جزء من المراجعة
لفت عبد الغني إلى أهمية النظر فيما إذا كان الشخص قد صحح المعلومات والروايات التي سبق أن أسهم في نشرها، وما إذا كانت المراجعة انعكست فعلياً على سلوكه بعد الاعتذار.
وأشار إلى أن امتلاك الشخص معلومات عن معتقلين أو مختفين أو مراكز احتجاز أو أشخاص متورطين في انتهاكات، ثم تقديم هذه المعلومات إلى الجهات المختصة، يمكن أن يشكل مؤشراً عملياً قوياً على جدية المراجعة.
وأوضح أنه لا يعتبر تقديم المعلومات واجباً قانونياً عاماً على كل من يقدم اعتذاراً، لأن ذلك يرتبط بالقانون والإجراءات والمركز القانوني للشخص، لكنه يمثل، وفق رأيه، معياراً مهماً للمسؤولية الأخلاقية والمساهمة في كشف الحقيقة.
الخوف والإكراه لا يقيّمان بصورة واحدة
دعا عبد الغني إلى مراعاة الظروف التي أحاطت بالمواقف السابقة للأشخاص، موضحاً أن الخوف والإكراه والتهديد واحتكار المعلومات يمكن أن تفسر بدرجات متفاوتة بعض المواقف، على أن يتم تقييم كل حالة بصورة منفردة.
وأكد أن هذه الظروف لا تمحو تلقائياً المسؤولية القانونية إذا توافرت أركانها، كما أنها لا تلغي الحاجة إلى اعتذار صادق عندما يكون السلوك السابق قد تسبب بأذى للآخرين.
وبيّن أن الاعتذار قد يكون كافياً في معالجة بعض المواقف السياسية أو الشخصية، لكن كلما اقترب السلوك السابق من التحريض الفعلي أو التسهيل أو المشاركة في انتهاك جسيم، تراجعت قدرة الاعتذار وحده على معالجة آثاره، وازدادت أهمية الحقيقة والتحقيق والمساءلة والجبر.
ثلاثة مستويات للمصالحة
قال عبد الغني، في تصريح خاص لـ«شام»، إن ثقافة الاعتذار تستطيع الإسهام في المصالحة، بشرط ألا تتحول المصالحة إلى مسمى آخر للنسيان أو الإفلات من المسؤولية.
وقسّم الحالات في هذا السياق إلى ثلاثة مستويات، يرتبط الأول بالموقف السياسي، موضحاً أن من أيد النظام ثم راجع موقفه لا ينبغي أن يبقى مستبعداً من المجتمع لمجرد موقفه السابق، لأن المجتمعات الخارجة من الاستبداد تحتاج إلى إتاحة المجال للمراجعة والعودة والمشاركة، وإلا تحولت العدالة الانتقالية إلى أداة لإدامة الخصومات.
وربط المستوى الثاني بالأشخاص الذين أسهموا في خلق بيئة سمحت بالانتهاكات، من خلال الإنكار أو التشهير بالضحايا أو التبرير المنهجي للانتهاكات، موضحاً أن هذه الأفعال لا ترقى تلقائياً إلى جرائم جنائية، إلا أن أثرها الاجتماعي والسياسي قد يكون كبيراً، وخصوصاً عندما تصدر عن إعلاميين أو فنانين أو شخصيات ذات تأثير عام.
وأضاف أن الاعتذار المجرد في مثل هذه الحالات لا يكون كافياً بالضرورة، بل من المنطقي أن يترافق مع تصحيح الرواية العامة والاعتراف بمن تعرضوا للأذى.
وحدد المستوى الثالث بالمساهمة في الجرائم والانتهاكات الجسيمة، مؤكداً أن الاعتذار هنا لا يستطيع أن يحل محل التحقيق وتحديد المسؤولية، حتى إذا كان للندم أو الاعتراف أو التعاون أثر داخل المسار القضائي وفق القانون المنطبق.
المسامحة لا تلغي العدالة
فرّق عبد الغني بين الصفح الشخصي والعدالة العامة، مؤكداً أن للضحية الحق في قبول الاعتذار أو رفضه، وفي المسامحة أو عدمها، إلا أن هذا القرار الشخصي لا يسقط حقوق ضحايا آخرين ولا يحسم المسؤولية الجنائية.
وأوضح أن موقف الضحية لا يعفي الدولة من واجبات التحقيق والمساءلة والانتصاف عندما يتعلق الأمر بانتهاكات جسيمة.
وتحفظ عبد الغني على استخدام تعبير «فتح صفحة جديدة» إذا كان المقصود منه إغلاق الصفحة السابقة قبل معرفة ما كُتب فيها، مؤكداً أهمية بناء مرحلة جديدة في سوريا من دون أن يكون ذلك على حساب معرفة مصير المختفين، وحماية الأدلة والأرشيفات والمقابر الجماعية، وتحديد المسؤولين وإنصاف الضحايا.
المصالحة ليست نسياناً
أوضح عبد الغني أن تقييم الشبكة السورية لحقوق الإنسان يقوم على اعتبار سياسات الذاكرة مكملة للحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار، وليست بديلاً عنها، مشدداً على عدم جواز استخدامها مبرراً للإفلات القانوني أو الفعلي من العقاب.
وأكد أن المصالحة المناسبة للسياق السوري، وفق رؤيته، هي التي ترفض الانتقام والمسؤولية الجماعية من جهة، وترفض الإنكار والإفلات من العقاب من جهة أخرى، ويمكن للاعتذار أن يكون جزءاً منها من دون أن يحل محلها.
لماذا يأتي الاعتذار الآن؟
قال عبد الغني إن مرور الزمن لا يجعل الاعتراف بالخطأ عديم القيمة بالضرورة، فقد يصل الإنسان متأخراً إلى مراجعة حقيقية لموقفه، معتبراً أن الاعتراف المتأخر أفضل من استمرار الإنكار.
وأشار في المقابل إلى أن تأخر الاعتذار يرفع بصورة مشروعة عبء إثبات المصداقية على صاحبه، ولا سيما في السياق السوري بعد سقوط نظام الأسد البائد.
وأضاف: «في السياق السوري، من الطبيعي أن يُسأل الشخص الذي لم يعتذر إلا بعد سقوط النظام: لماذا الآن؟»، لكنه أوضح أن السؤال لا يحسم وحده صدق الاعتذار أو دوافع صاحبه، نظراً إلى صعوبة معرفة النوايا الداخلية بصورة يقينية.
الأفعال التالية للاعتذار هي الاختبار
حدد عبد الغني مجموعة من الأسئلة التي يمكن من خلالها تقييم الاعتذار المتأخر، من بينها ما إذا كان صاحبه أصبح يعترف بالجرائم الموثقة، وصحح ما سبق أن نشره، وقدم اعتذاراً محدداً لمن أساء إليهم، وأتاح ما يمتلكه من معلومات ذات صلة.
وأضاف أن التقييم يشمل كذلك مدى استعداد الشخص لقبول نتائج التحقيق إذا وجدت شبهة تتعلق بمساهمة تتجاوز مجرد التعبير عن موقف أو رأي سياسي.
وأكد أنه لا يعتبر الاعتذار عديم القيمة لمجرد أنه جاء متأخراً، لكنه في الوقت ذاته لا يرى أن صدور الاعتذار يفرض على الضحايا النسيان أو المسامحة.
الذاكرة لمنع التكرار لا للثأر
شدد عبد الغني على أهمية الذاكرة في مسار العدالة الانتقالية، موضحاً أن معالجة الماضي وحفظ الذاكرة يرتبطان بإعمال الحق في الحقيقة والعدالة والجبر وضمانات عدم التكرار.
وأكد أن عمليات الذاكرة ينبغي ألا تقلل من شأن الجرائم المثبتة أو تعيد إنتاج الإنكار، موضحاً أن الهدف من الحفاظ على الذاكرة ليس إبقاء الماضي حياً بغرض الانتقام، وإنما حماية حقيقته ومنع تكراره.
الاعتذار بداية وليس نهاية
خلص عبد الغني إلى أن الاعتذار المتأخر يمكن أن يمثل بداية لمراجعة حقيقية، لكنه لا يعيد كتابة الماضي ولا يمحو آثاره أو المسؤوليات الناجمة عنه.
وأكد أن التحدي في سوريا لا يتمثل في الاختيار بين الذاكرة والمصالحة، وإنما في تحويل الذاكرة من عامل محتمل للثأر والانقسام إلى أساس لكشف الحقيقة وتحديد المسؤولية وضمان عدم التكرار، ضمن مسار يتيح المراجعة لمن أخطأ في موقفه، ويحفظ في الوقت ذاته حقوق الضحايا عندما يتجاوز السلوك حدود الموقف السياسي إلى المساهمة في الانتهاكات والجرائم.
وشهدت سوريا خلال سنوات حكم نظام الأسد البائد انتهاكات واسعة شملت الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وقتل المدنيين، فيما رافق تلك الانتهاكات خطاب سياسي وإعلامي أنكر جانباً منها أو بررها أو هاجم الضحايا ومعارضي النظام، الأمر الذي ترك انقسامات عميقة لا تقتصر آثارها على المسؤولين المباشرين عن الجرائم.
وأعاد سقوط نظام الأسد البائد فتح النقاش حول كيفية التعامل مع المواقف والأدوار التي اتخذها أفراد وشخصيات عامة خلال السنوات السابقة، ولا سيما مع ظهور مراجعات واعتذارات من أشخاص سبق أن أعلنوا تأييدهم للنظام أو دافعوا عن سياساته، وسط مطالب بالتمييز بين الموقف السياسي وبين التحريض أو التسهيل أو المشاركة المباشرة في الانتهاكات.
وتطرح المرحلة تحدياً يتعلق بالموازنة بين منع الانتقام والعقاب الجماعي من جهة، وضمان حقوق الضحايا وكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات من جهة أخرى، بما يجعل الاعتذار والمسامحة والمصالحة مسارات متصلة لكنها غير متطابقة، ولا يغني أحدها عن المساءلة عندما تكون هناك شبهات بارتكاب جرائم أو المساهمة فيها.
ويكتسب حفظ الذاكرة أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يرتبط توثيق الانتهاكات وشهادات الضحايا وحماية الأدلة والأرشيفات وكشف مصير المختفين ببناء مسار للعدالة الانتقالية يمنع الإنكار ويحفظ حقوق المتضررين، بالتوازي مع إتاحة المجال أمام المراجعات الفردية الصادقة التي لا تتضمن مسؤولية جنائية.
وتبقى قدرة الاعتذارات المتأخرة على الإسهام في المصالحة مرتبطة بطبيعة الموقف السابق ومضمون الاعتذار وما يتبعه من سلوك، فيما يمثل الانتقال من الاعتراف بالخطأ إلى تصحيح الروايات وكشف المعلومات والتعاون مع مسارات الحقيقة والمساءلة، عند وجود ما يستدعي ذلك، أحد أبرز الاختبارات العملية لجدية هذه المراجعات.