تعذيب الحيوانات علناً… سلوك صادم يثير تساؤلات نفسية وقانونية
تعذيب الحيوانات علناً… سلوك صادم يثير تساؤلات نفسية وقانونية
● مجتمع ٨ أغسطس ٢٠٢٦

تعذيب الحيوانات علناً… سلوك صادم يثير تساؤلات نفسية وقانونية

أثار منشور متداول على منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً، بعد أن طلب أحد الأشخاص، عبر صفحة مخصصة لتبني القطط، الحصول على قطط بغرض تعذيبها، ما دفع عدداً كبيراً من المتابعين إلى المطالبة بتوقيفه ومحاسبته.

وأعادت هذه الحادثة تسليط الضوء على سلوك تعذيب الحيوانات، ظاهرة تتجاوز حدود الرفض المجتمعي، لتطرح تساؤلات أعمق حول دوافعه النفسية وخلفياته السلوكية، لا سيما عندما يُعلن عنه بشكل صريح عبر الفضاء الرقمي، كما فتحت الواقعة باب النقاش حول الإطار القانوني الذي يجرّم هذا النوع من الأفعال، والعقوبات التي يمكن أن تُفرض بحق مرتكبيها، في ظل مطالبات بتشديد المساءلة وتعزيز الحماية القانونية للحيوانات.

الدوافع النفسية لتعذيب الحيوانات وعلاقتها بالسلوك العدواني

وفي هذا السياق، قالت المعالجة النفسية صهباء الخضر، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن تعذيب الحيوانات سلوك يثير اهتمام علماء النفس وعلماء الجريمة منذ زمن، لأنه قد يعكس مجموعة متنوعة من المشكلات النفسية أو الاجتماعية، لكنه لا يملك تفسيراً واحداً ينطبق على جميع الحالات.

وأضافت أن هذا السلوك من الناحية النفسية قد ينشأ عن عدة عوامل مختلفة، منها ضعف التعاطف، حيث يجد بعض الأشخاص صعوبة في إدراك معاناة الكائنات الأخرى أو الاهتمام بها، إلى جانب الرغبة في السيطرة والقوة، إذ قد يشعر الفرد بالعجز في حياته اليومية فيلجأ إلى إيذاء كائن أضعف منه ليشعر بالتحكم.

وأشارت إلى أن التنفيس عن الغضب والإحباط يُعد من الدوافع كذلك، حيث قد يُسقِط الشخص مشاعره السلبية على الحيوانات لأنها أهداف سهلة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها، إضافة إلى ما وصفته بالفضول المرضي أو البحث عن الإثارة، خصوصاً لدى بعض الأطفال أو المراهقين الذين لم يطوروا بعد فهماً كافياً للألم والمعاناة، وإن كان ذلك لا يبرر السلوك.

بالإضافة إلى ذلك البحث عن الشهرة وعدد المتابعين في حال كان السلوك يتم على وسائل التواصل لجذب أكبر عدد من الإعجابات، وهو ما قد نراه شائعاً في زماننا الذي تسيطر عليه وسائل التواصل الاجتماعي وتوجه سلوك كثير من البشر للبحث عن الإثارة حتى لو كانت من خلال سلوكيات مؤذية أو خطيرة على الفرد نفسه أو على المجتمع، حسب ما ذكرت الخضر.


ولفتت إلى أن التقليد والتعلم الاجتماعي يلعبان دوراً مهماً، إذ إن مشاهدة العنف ضد الحيوانات أو اعتباره أمراً عادياً قد يزيد احتمالية تكراره، وأوضحت أن هذا السلوك قد يرتبط أحياناً باضطرابات نفسية أو سلوكية، لكن ليس دائماً، حيث يمكن أن يظهر ضمن بعض الاضطرابات مثل اضطراب السلوك لدى الأطفال والمراهقين، والذي يُعد فيه إيذاء الحيوانات من المؤشرات المهمة.

وكذلك اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، وبعض الحالات التي تتسم بالقسوة الشديدة ونقص التعاطف أو ما يسمى بالسمات "القاسية غير العاطفية"، وفي حالات أقل شيوعاً قد يرتبط بأعراض ذهانية أو اضطرابات عصبية معينة تؤثر في الحكم على السلوك.

وأكدت صهباء الخضر، أنه من المهم التأكيد أن ليس كل من يؤذي حيواناً يعاني اضطراباً نفسياً محدداً، كما أن معظم المصابين باضطرابات نفسية لا يمارسون هذا السلوك، وبينت أن الدراسات تُظهر وجود ارتباط إحصائي بين القسوة المتكررة والمتعمدة على الحيوانات وبين زيادة احتمالية السلوك العدواني تجاه البشر لاحقاً، خاصة إذا كان السلوك متكرراً وليس حادثة منفردة، أو متعمداً ويهدف إلى إحداث الألم، أو مصحوباً بانعدام الندم أو الشعور بالمتعة من المعاناة، أو جزءاً من نمط أوسع من التنمر أو العدوان.

وشددت على ضرورة الحذر من المبالغة، موضحة أن وجود هذا السلوك لا يعني حتماً أن الشخص سيصبح عنيفاً تجاه البشر، لكنه يُعد علامة تستحق التقييم والمتابعة، وأضافت أن البيئة تلعب دوراً كبيراً جداً، فالتعرض للعنف الأسري أو الإساءة في الطفولة ومشاهدة أفراد الأسرة يمارسون القسوة على الحيوانات يتيح الفرصة لممارسة السلوك العدواني في المستقبل، كما أن الإهمال العاطفي الشديد قد يولد عنفاً يتم تفريغه بالكائنات الضعيفة، إضافة إلى دور جماعات الأقران والثقافة أو البيئة التي تقلل من قيمة الرفق بالحيوان وتبرر العدوان وتجعله فرصة للتميز بين الأقران.

وأشارت إلى أن التعامل مع من يمارسون هذا السلوك يعتمد على العمر وشدة السلوك ودوافعه، حيث يتطلب الأمر بالنسبة للأطفال والمراهقين تقييم الأسباب الكامنة وراء السلوك، وتدريبهم على التعاطف وفهم معاناة الكائنات الأخرى، والعلاج السلوكي المعرفي عند الحاجة، والعمل مع الأسرة لتحسين البيئة المنزلية.

ولفتت المعالجة صهباء إلى أنه بالنسبة للبالغين، يستدعي الأمر تقييماً نفسياً شاملاً إذا كان السلوك متكرراً أو شديداً، إلى جانب علاج المشكلات المصاحبة مثل الغضب أو الاندفاعية أو اضطرابات الشخصية، وبرامج تعديل السلوك وتنمية مهارات التعاطف والمسؤولية، بالإضافة إلى أهمية وجود قوانين صارمة تحاسب المعتدين على الحيوانات خاصة إذا كان السلوك بهدف الشهرة وحصد الإعجابات حتى لا يصبح هذا السلوك معتاداً في المجتمع.

الإطار القانوني لتعذيب الحيوانات في سوريا

وبالانتقال إلى الجانب القانوني، أكد المحامية أسماء نعسان، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن قانون العقوبات السوري لا يتضمن تعريفاً صريحاً لجريمة "تعذيب الحيوانات"، إلا أن المادة 728 تُعد النص الأبرز الذي ينظم هذا الموضوع، إذ تجرّم قتل أو إيذاء بعض الحيوانات المملوكة للغير، وتحديداً حيوانات الجر والحمل والركوب والمواشي، ومن ثم فإن مفهوم التعذيب يُستخلص من الأفعال التي تنطوي على قسوة أو إيذاء غير مبرر يسبب للحيوان ألماً أو إصابة أو معاناة.

وأضافت أن هذه الأفعال تشمل الضرب المبرح، وإحداث الإصابات، والتحميل بما يفوق القدرة الجسدية لحيوانات النقل، والإهمال الذي يفضي إلى معاناة الحيوان أو نفوقه، وكذلك التسميم أو أي اعتداء يقع ضمن نطاق الحماية التي رسمها القانون، مشيرة إلى أن الإشكالية الجوهرية تكمن في أن الحماية الجزائية الحالية لا تمتد صراحة إلى الحيوانات السائبة أو كثير من الحيوانات الأليفة، وهو ما يكشف عن قصور تشريعي يستوجب المعالجة.

وأشارت إلى أن العقوبات تختلف باختلاف طبيعة الفعل والوسيلة المستخدمة والنتائج المترتبة عليه، إذ نصت المادة 728 من قانون العقوبات السوري على معاقبة من يقتل أو يؤذي الحيوانات المشمولة بالحماية القانونية بالحبس التكديري أو بالحبس الذي قد يصل إلى ستة أشهر بحسب ظروف الواقعة، بينما شدد المشرع العقوبة في حال ارتكاب الفعل بواسطة السم، إذ قد تصل إلى الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، نظراً لما يشكله التسميم من خطر لا يقتصر على الحيوان وحده، وإنما يمتد إلى الصحة والسلامة العامة.

ونوهت نعسان إلى أن هذه العقوبات، برأيها، لا تزال محدودة مقارنة بخطورة هذه الأفعال، ولا تحقق الردع الكافي في كثير من الحالات، وأوضحت أن التعامل مع مثل هذه الوقائع يجب أن يتم ضمن الأطر القانونية، حيث تبدأ الخطوة الأولى بتوثيق الواقعة بطريقة مشروعة من خلال الصور أو مقاطع الفيديو التي تُظهر الفعل ومكانه وتوقيته بوضوح، مع تجنب أي تصرف قد يعرّض الشخص للمساءلة أو للخطر.

وأكدت أنه بعد ذلك يجب التقدم بشكوى لدى أقرب مركز شرطة لتنظيم ضبط أصولي، مع الإشارة – متى انطبقت شروطها – إلى المادة 728 من قانون العقوبات، وإرفاق الأدلة المتوافرة، كما يمكن إبلاغ الجهات البيطرية المختصة، والاستعانة بالتقارير الفنية عند الحاجة، قبل إحالة الملف إلى النيابة العامة لتحريك الدعوى العامة واتخاذ الإجراءات القانونية بحق الفاعل.

وبينت أن التحدي الأكبر يتمثل في أن التشريع السوري لا يزال يفتقر إلى قانون مستقل وشامل لحماية الحيوانات، وأن الحماية الجزائية الواردة في قانون العقوبات ما تزال ذات نطاق ضيق، إذ ترتبط في كثير من الحالات بملكية الحيوان للغير وبأن يكون من الحيوانات التي حددها النص.

ولفتت إلى أن هذا القصور ينعكس عملياً على الحيوانات السائبة أو الأليفة التي لا يشملها النص صراحة، مما يحد من إمكانية الملاحقة القانونية، ويضاف إلى ذلك ضعف الوعي المجتمعي بأهمية الإبلاغ عن هذه الجرائم، فضلاً عن محدودية الإمكانات الرقابية وغياب آليات متخصصة للتعامل مع جرائم القسوة على الحيوانات.

وتحدثت أسماء نعسان في تصريح خاص لـ شام عن أن المنظومة التشريعية الحالية، من وجهة نظرها القانونية، لا تحقق مستوى الردع المأمول، ليس فقط بسبب محدودية العقوبات، وإنما أيضاً بسبب ضيق نطاق الحماية القانونية وغياب نصوص مستقلة تجرّم جميع صور العنف والقسوة ضد الحيوانات.

وشددت في ختام حديثها على أن الحاجة باتت ملحة إلى تطوير التشريع من خلال إصدار قانون مستقل لحماية الحيوان، يوسّع نطاق الحماية ليشمل جميع الحيوانات دون تمييز، ويضع تعريفاً واضحاً لأفعال التعذيب والإساءة، ويقر عقوبات أكثر تناسباً مع جسامة الفعل، بما يحقق الردع ويحمي الحيوان باعتباره كائناً حياً، ويعزز في الوقت ذاته قيم الرحمة وسيادة القانون.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ