تزايد ظهور الأطفال في المحتوى الرقمي عبر منصات التواصل الاجتماعي وتأثيراته التربوية والاجتماعية
في الفترات الأخيرة، برزت ظاهرة نشر محتوى يشارك فيه الأطفال عبر منصات التواصل الاجتماعي، سواء من خلال تصوير أنشطتهم اليومية أو ظهورهم في مقاطع يعلّقون فيها على قضايا مختلفة، أو من خلال محتوى يتم إنتاجه حول تفاصيل حياتهم الخاصة.
ويطرح هذا النوع من المحتوى تساؤلات حول حدود مشاركة الطفل في الفضاء الرقمي، وطبيعة الأثر الذي قد ينعكس عليه نتيجة ظهوره المستمر أمام الجمهور، سواء على المستوى النفسي أو التربوي، في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي واعتمادها المتزايد داخل الحياة اليومية للأسر.
وفي هذا السياق، قال الدكتور عماد كنعان، أستاذ جامعي وباحث في مجال التربية والمناهج وطرق التدريس، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه يرى أن من أهم مسؤوليات المتخصصين في التربية اليوم أن يقرؤوا الظواهر الجديدة لا من زاوية الرفض العاطفي فقط، ولا من زاوية الانبهار التقني فقط، بل من زاوية علمية متوازنة تسأل عن أثر هذه الممارسة في الطفل، وحدود المسموح تربوياً وأخلاقياً، وكيفية حماية الطفل دون معاداة التكنولوجيا.
وأضاف في إجابته عن سؤال يتعلق بقيام بعض الأهالي بتصوير أبنائهم واستغلالهم في صناعة محتوى على منصات التواصل الاجتماعي بهدف تحقيق التفاعل أو “الترند”، أن هذه الظاهرة تُعد من أخطر التحولات التربوية التي فرضتها الثقافة الرقمية الحديثة، لأنها تنقل الطفل من موقعه الطبيعي بوصفه كائناً في طور النمو والحماية والتربية، إلى موقع الأداة الإعلامية أو المادة القابلة للاستهلاك العام.
وأشار إلى أن الإشكال لا يكمن في التصوير العفوي داخل الأسرة، بل في تحويل الحياة الخاصة والانفعالات والخجل والبكاء والمرض والمواقف العفوية إلى محتوى عام يُقاس بعدد المشاهدات والإعجابات والتعليقات.
وبيّن أن هناك من الناحية التربوية خلطاً بين حق الوالدين في الرعاية وحق الطفل في الخصوصية والكرامة والحماية، لافتاً إلى أن الطفل لا يمتلك دائماً القدرة المعرفية والنفسية على إدراك معنى نشر صورته أو موقفه أمام جمهور واسع، وبالتالي فإن موافقته – إن وُجدت – لا تكون بالضرورة موافقة واعية كاملة.
وتحدث عن أن خطورة الظاهرة تزداد عندما يتحول الهدف إلى الربح أو الشهرة، حيث يصبح الطفل وسيلة لجذب الإعلانات أو تحقيق دخل مادي، ما يقترب من مفهوم الاستغلال الرقمي حتى داخل إطار الأسرة.
وأوضح أن تقارير ودراسات حديثة تشير إلى اتساع حضور الأطفال في البيئة الرقمية، وأن الاستخدام المبكر للمنصات أصبح جزءاً من الحياة اليومية للأسر، كما أفادت دراسات أخرى بأن نسبة كبيرة من اليافعين يستخدمون منصات التواصل بشكل مكثف، وأن بعض الأطفال الأصغر سناً يتعرضون لمحتوى رقمي قبل امتلاك النضج الكافي للتعامل معه.
ونوّه إلى أن من أبرز الآثار النفسية والتربوية المحتملة على الطفل اضطراب مفهوم الذات، إذ قد يربط قيمته بعدد الإعجابات والمشاهدات، ولفت إلى أن ذلك قد يؤدي إلى فقدان العفوية، حيث يبدأ الطفل في مراقبة نفسه والتصرف وفق توقعات الآخرين لا وفق مشاعره الطبيعية، وذكر أن بعض الأطفال قد يعانون من قلق اجتماعي أو خجل أو سلوك استعراضي مفرط، بحسب طبيعة التجربة الرقمية التي يعيشونها.
وأشار الدكتور عماد في تصريح خاص لـ شام، إلى أن من المخاطر أيضاً ضعف الحدود الشخصية لدى الطفل، إذ قد يضعف لديه إدراك الخصوصية وحدود الجسد والحياة العائلية، وتحدث عن احتمالية تعرضه للتنمر الرقمي أو السخرية أو إعادة استخدام محتواه في سياقات مهينة، لافتاً إلى أن المحتوى الرقمي يبقى قابلاً للانتشار خارج سيطرة الأسرة.
وأكد أن هذه الممارسات قد تنعكس على شخصية الطفل وثقته بنفسه على المدى البعيد، موضحاً أنه قد يربط قيمته بالتفاعل الرقمي، أو ينشأ لديه اعتماد مفرط على تقييم الآخرين، أو شخصية قلقة أو استعراضية، وشدد على أن بعض الأطفال قد يشعرون لاحقاً بالحرج من محتوى نُشر عنهم في الطفولة دون وعي كامل، في إطار ما يُعرف بالمشاركة الوالدية المفرطة.
ولفت إلى أن تعريض الطفل لأدوار لا تناسب عمره يُعد نوعاً من الاستعجال النمائي، وبين أن ذلك قد يؤدي إلى تشويش النمو الانفعالي وإضعاف عفوية الطفولة، وذكر أن من النتائج المحتملة أيضاً تطبيع سلوكيات أو ألفاظ غير مناسبة، وزيادة احتمالات التعرض لمخاطر رقمية، وخلق ذاكرة رقمية قد تلازم الطفل مستقبلاً.
وأفاد بأن من الحلول المقترحة للأهالي ضرورة التساؤل قبل النشر حول مدى قبول الطفل للمحتوى مستقبلاً، وأكد على تجنب نشر لحظات الضعف أو الخصوصية، إضافة إلى حماية المعلومات الشخصية وعدم استخدامها بشكل علني، وشدد على أهمية عدم تحويل الطفل إلى مصدر دخل دون ضوابط، ولفت إلى ضرورة مراعاة مصلحته وراحته وكرامته عند أي نشر.
وبيّن أهمية أخذ موافقة الطفل عندما يكون قادراً على الفهم، مع التأكيد على أن هذه الموافقة لا تكفي إذا كان المحتوى ضاراً أو مهيناً، وأوضح ضرورة وضع ضوابط أسرية للنشر، وتربية الطفل على مفاهيم المواطنة الرقمية والخصوصية والبصمة الرقمية.
وتحدث عن أن حماية الأطفال من الاستغلال الرقمي تتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والمؤسسات التشريعية والمنصات الرقمية، وذكر أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول عبر الحوار والمرافقة ووضع الحدود، في حين تلعب المدرسة دوراً في التربية الرقمية وتنمية الوعي بالمخاطر.
وأضاف أن التشريعات والمؤسسات مطالبة بوضع قوانين واضحة تحدد المسؤوليات وتحمي الطفل من الاستغلال التجاري، في حين أفاد بأن المنصات الرقمية يجب أن تتحمل مسؤوليتها في ضبط المحتوى وحماية القاصرين، وأكد أن الطفل ليس مشروع شهرة ولا وسيلة للترند، بل إنسان له كرامة وخصوصية ومستقبل، وأن التربية الرقمية الرشيدة تقوم على إدخال الطفل إلى العصر الرقمي محمياً بالوعي والقيم دون أن يتحول إلى ضحية له.
وتطرح مشاركة الأطفال في المحتوى الرقمي مجموعة من التساؤلات المرتبطة بطريقة استخدام هذا المحتوى وحدود نشره، في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي ودخولها في تفاصيل الحياة اليومية للأسرة.