تراجع اللعب والحوار الأسري وانعكاساته على النمو النفسي والسلوكي لدى الطفل
تراجع اللعب والحوار الأسري وانعكاساته على النمو النفسي والسلوكي لدى الطفل
● مجتمع ٦ يوليو ٢٠٢٦

تراجع اللعب والحوار الأسري وانعكاساته على النمو النفسي والسلوكي لدى الطفل

في ظل تزايد المسؤوليات الملقاة على عاتق الأهل، تتراجع لدى بعض الأطفال مساحات اللعب والحوار، ما ينعكس على مجموعة من الخصائص النفسية والسلوكية، مثل ضعف التعبير عن المشاعر، وازدياد القلق والتشتت، وصعوبات التكيف مع المحيط الاجتماعي، ومع غياب هذه المساحات التشاركية، قد يلجأ الطفل إلى بدائل أقل توازناً، الأمر الذي يؤثر على نموه الانفعالي وتكوينه الداخلي، ويجعل الحاجة إلى استعادة التفاعل الأسري أكثر إلحاحاً.

في هذا السياق، قال بيرم جمعة، الأخصائي النفسي، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنّه في زحمة انشغالاتنا اليومية وإيقاع الحياة المتسارع، قد تتراجع مساحات الحوار واللعب العفوي مع أطفالنا لصالح مهام تبدو أكثر إلحاحاً، مضيفاً أن الحقيقة تؤكد أن اللعب ليس وسيلة لملء وقت فراغ الطفل فحسب، وإنما لغته الأولى ومختبره النفسي والذهني الأهم.

 وأشار إلى أنه عبر اللعب المشترك والحر، يصوغ الطفل روايته الداخلية، ويتعلم كيف يفكك طلاسم العالم، ويعبر عن انفعالاته ورغباته في بيئة آمنة، مؤكداً أن تهميش هذه اللحظات التشاركية تحت وطأة الضغوط، يُفقد الطفل مرونته النفسية التي تؤسس لثقته بنفسه ولنجاحه الاجتماعي والتعليمي.

 وبيّن أن استعادة وقت اللعب والحوار ليست رفاهية تربوية، بل هي استثمار عميق في تشكيل هوية الطفل وتوازنه الداخلي، ولفت إلى أنه في كل لحظة يبتكر فيها الطفل سيناريو خيالياً أو يلعب بحرية، هو في الواقع يبني دعائم شخصيته القادرة على مواجهة تحديات الحياة بثبات.

وذكر، في إجابته عن سؤال حول كيف تنعكس قلة تفاعل الأهل مع أطفالهم، خاصة في جانب اللعب والحوار، على الحالة النفسية للطفل، أن حين يغيب تفاعل الأهل، يفقد الطفل "المرآة النفسية" التي يرى من خلالها قيمته وأمانه، وتحدث عن أن غياب اللعب والحوار المشترك لا يعني فقط فراغاً في الوقت، بل يعني حرمان الدماغ من تفاعلات حركية وانفعالية واجتماعية تشبه التغذية العصبية، وأوضح أن التواصل المتناغم يوفر بيئة كيميائية مثالية لبناء مسارات عصبية جديدة تساعد الطفل على تنظيم انفعالاته.

وأكد أن في غياب هذا التفاعل، تزداد مستويات الإثارة الانفعالية السلبية، وشدد على أن الطفل قد يدخل في حالة دفاع أو هروب مستمرة نتيجة شعوره المكتوم بالتهديد أو الإهمال، وأفاد بأن ذلك يترجم لاحقاً على شكل تشتت، نشاط زائد، وصعوبة في التكيف، وهي أعراض قد تُشخَّص خطأً في المدارس على أنها اضطرابات سلوكية، بينما هي في عمقها نداء استغاثة انفعالي.

وقال، في معرض إجابته عن سؤال حول ما أهمية اللعب المشترك بين الأهل والطفل في بناء شخصية الطفل وتعزيز ثقته بنفسه، إن اللعب المشترك ليس مجرد وسيلة تسلية، بل هو الفضاء الآمن الذي يصوغ من خلاله الطفل روايته النفسية الأولى عن نفسه وعن العالم، وأضاف أنه حين يشارك الأهل طفلهم اللعب دون تقييد أو تصحيح مستمر، يمنحونه إحساساً أصيلاً بالمقدرة والسيطرة، فيشعر أن أفكاره وخياله ذوا قيمة.

وأشار إلى أن هذه التجربة التشاركية تتيح للطفل تقمص أدوار متعددة وإعادة تمثيل الأحداث التي يمر بها، وبيّن أن ذلك يمنحه بذور "التنظيم الداخلي للهوية"، ويرفع كفاءته في فهم العلاقات الاجتماعية والتنبؤ بها، مما ينعكس بشكل مباشر على ثقته بنفسه وقدرته على المبادرة في البيئات الخارجية كالمدرسة والمجتمع.

ونوّه، في إجابته عن سؤال حول إلى أي مدى يسهم الحوار اليومي مع الطفل في تنمية قدرته على التعبير عن مشاعره والتعامل مع مشكلاته، إلى أن الحوار اليومي هو الحاضنة الأساسية لتطوير ما نسميه بـ الاستبصار والوعي الانفعالي وهو قدرة الطفل على فهم حالته الذهنية، وإدراك مشاعره الداخلية، واستيعاب دوافع من حوله، ولفت إلى أن الأطفال غالباً ما يملكون قدرة محدودة على التعبير اللفظي المباشر عن مخاوفهم أو تجاربهم المؤلمة.

وذكر أن دور الحوار المبني على الاستماع والتقبل يساعدهم على تفكيك التناقضات الانفعالية، وتحدث عن أنه عندما يجد الطفل مساحة للحوار يقل فيها الكبت والاستبعاد، يتكامل لديه الجانب الفكري مع الجانب العاطفي، فيتعلم كيف يضع الكلمات المناسبة لمشاعره بدلاً من تفريغها عبر سلوكيات عنيفة أو انسحابية، مما يبني لديه مرونة نفسية عالية في مواجهة مشكلات الحياة.

وأوضح، في إجابته عن سؤال حول ما أبرز الآثار السلبية التي قد تظهر على الأطفال نتيجة انشغال الأهل المستمر عنهم، أن أبرز الأخطار تكمن في لجوء الأطفال إلى "البدائل التكنولوجية" لتعويض الفراغ العاطفي والتفاعلي، وأضاف أن الإدمان الإلكتروني يزداد بشكل ملحوظ كلما تضيقت مساحات التعبير الحر والآمن في محيط الطفل.

وأكد أن الانشغال المستمر يضعف قدرة الطفل على "التكامل الذهني والعاطفي"، وشدد على أن ذلك يؤدي إلى تراكم التوترات وصعوبة في تنظيم الانفعالات، وأفاد بأن هذه الحالة تظهر على شكل قلق، ضعف في التركيز والمثابرة، وتراجع في المهارات الاجتماعية والتعاونية، فضلاً عن نشوء تصورات سلبية لدى الطفل حول موقعه في العالم ومدى تقبل المحيطين به له.

وقال، في معرض إجابته عن سؤال حول في ظل ضغوط الحياة اليومية، ما النصائح التي يمكن تقديمها للأهل للحفاظ على تواصل فعّال مع أطفالهم، إن التركيز على جودة الوقت لا مدته: ليس المطلوب التفرغ التام، بل تخصيص مساحة ولو قصيرة يومياً تكون خالية تماماً من المشتتات والتقييم، مساحة نمنح فيها الطفل "حق اللعب بحرية وكرامة".

وأشار إلى الاستثمار في البيئة الطبيعية والمفتوحة: الخروج مع الطفل إلى الطبيعة أو مساحات مفتوحة يتيح استكشافاً تلقائياً عالي القيمة النفسية والبيولوجية، وبيّن أنه يقلل من مستويات التوتر لدى الأهل والطفل معاً، ولفت إلى الابتعاد عن دور "الموجه الدائم": أثناء اللعب أو التحدث مع الطفل، يجب تجنب ربط النشاط بالثواب والعقاب، أو إقرانه بتوقعات صارمة، وترك القيادة للطفل ليعبر عن ذاته بعفوية.

وذكر، في إجابته عن سؤال حول كيف يمكن للأهل تحقيق توازن بين متطلبات الحياة واحتياجات أطفالهم النفسية والعاطفية، أن التوازن يبدأ من إدراك أن الاستثمار الانفعالي داخل الأسرة هو مسؤولية مشتركة تبدأ بين الزوجين، وتحدث عن أنه ليس عبئاً إضافياً بل هو "أداة وقائية" تحمي الموارد النفسية للعائلة حتى في ظل الأزمات المادية أو ضغوط العمل.

وأوضح أنه يمكن تحقيق هذا التوازن عبر بناء روتين يومي مرن يدمج الأنشطة الطبيعية والحوار في تفاصيل الحياة اليومية (مثل مشاركة الأبناء في تفاصيل بسيطة كإعداد الطعام أو الحديث العفوي قبل النوم)، وأكد أنه عندما يفهم الأهل أن اللعب الحر والتواصل ليس سلعاً تُشترى بكثرة الألعاب بل هي مناخ نفسي يُصنع بالتلقائية والقبول، يصبح من السهل إيجاد هذا التوازن دون الشعور بالذنب أو الضغط الإضافي.

وشدد على أن مراجعة علمية شاملة أجرتها 4 جامعات بريطانية تكشف أن التعرض المتعمد للشاشات قبل عامين قد يضعف الترابط مع الوالدين، ويؤخر اكتساب اللغة، ويزيد اضطرابات النوم والسمنة، وأفاد أنه رغم عدم إثبات علاقة سببية مباشرة دعا الباحثون لمراجعة عاجلة للسياسات الحالية.

يرتبط التفاعل الأسري، ولا سيما في مجالي اللعب والحوار، بجملة من الجوانب النفسية والسلوكية لدى الطفل، كما تُطرح هذه المساحات التشاركية ضمن البيئة المرتبطة بنموه الانفعالي وتكوينه الداخلي، في سياق يمتد فيه ما يجري داخل الأسرة إلى جوانب من شخصية الطفل.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ