تداخل الأدوار والمسؤوليات بين العمل والحياة وأثره على الفرد
يعيش الإنسان بين مسارين متوازيين؛ حياة مهنية تفرض متطلباتها اليومية، وحياة شخصية تقوم على الاستقرار والعلاقات الأسرية، غير أن الحفاظ على التوازن بينهما لا يكون متاحاً دائماً.
إذ يواجه البعض صعوبة في الفصل بين الجانبين، فتتداخل الضغوط وتنعكس من أحدهما على الآخر؛ فحمل هموم الأسرة إلى العمل قد يؤثر في الأداء والتركيز، كما أن نقل ضغوط العمل إلى المنزل ينعكس على طبيعة العلاقات وجودة الحياة اليومية، ما يجعل هذا التوازن تحدياً مستمراً.
قال الباحث والمحاضر الجامعي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية الثانية في حلب – قسم علم الاجتماع، سعد ويس في حديث لشبكة شام الإخبارية، إنه يهتم بدراسة الإنسان في بيئته الاجتماعية والمهنية، وما يطرأ على سلوكه من تغيرات نتيجة الضغوط والتحولات المعاصرة، وبين أنه يعمل أيضاً في مجال التدريب ويؤمن بأن نجاح المؤسسات يبدأ من الاهتمام بالإنسان قبل الأرقام، وأكد أن "العمل وسيلة لتحقيق جودة الحياة، وليس غاية تستهلك الحياة نفسها".
وأضاف أن بعض الأشخاص يواجهون صعوبة في الفصل بين حياتهم العملية والشخصية، لأننا نعيش في زمن ألغت فيه التكنولوجيا كثيراً من الحدود التقليدية بين المكتب والمنزل، حيث جعل الهاتف الذكي والبريد الإلكتروني وتطبيقات التواصل الموظف في حالة اتصال دائم بعمله، وأشار إلى أن المشكلة لا تتوقف عند التكنولوجيا، بل تمتد إلى ثقافة بعض المؤسسات التي تكافئ الحضور الدائم أكثر مما تقدّر جودة الإنجاز.
ونوّه إلى أن هناك جانباً نفسياً يتمثل في ربط بعض الأشخاص قيمتهم الذاتية بإنجازاتهم المهنية، ما يدفعهم للشعور بالذنب عند التوقف عن العمل، أو الاعتقاد بأن الراحة تعني التقصير، فتتحول الوظيفة تدريجياً إلى محور حياتهم بالكامل، ولفت إلى أنه "عندما تختفي الحدود بين العمل والحياة، يبدأ الإنسان بخسارة ذاته دون أن يشعر".
وذكر ويس أن عدم الفصل بين العمل والحياة الخاصة ينعكس نفسياً على المدى القريب بظهور اضطرابات النوم والقلق والتوتر وصعوبة التركيز وسرعة الانفعال، وبين أن استمرار هذه الحالة يقود إلى الاحتراق النفسي والاكتئاب والإرهاق المزمن وفقدان الدافعية والشعور بأن الحياة أصبحت سلسلة من الواجبات فقط.
ولفت إلى أن العديد من الدراسات تشير إلى أن التعرض المستمر للضغوط ينعكس أيضاً على الصحة الجسدية، ما يزيد من احتمالية الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وضعف المناعة، وأوضح أن "العقل لا يميز بين ضغط مؤقت وضغط دائم؛ فإذا لم يحصل على فرصة للتعافي، سيدفع الجسد ثمن ذلك".
وتحدث عن أن الاحتراق النفسي لا يحدث بشكل مفاجئ، بل هو نتيجة استنزاف طويل للطاقة النفسية والعاطفية، إذ إن العمل المستمر دون راحة والشعور بأن المطلوب يفوق القدرة يؤديان إلى نفاد المخزون النفسي تدريجياً.
وأوضح الباحث سعد ويس أنه مع مرور الوقت يفقد الإنسان شغفه، ويصبح العمل عبئاً، وتتراجع قدرته على التعاطف والتفاعل الإيجابي، حتى يصل إلى مرحلة يشعر فيها بالعجز عن تقديم المزيد مهما بذل من جهد، وأكد أن "أخطر أنواع الإرهاق هو ذلك الذي يجعل الإنسان حاضراً بجسده وغائباً بعقله وروحه".
وأكد أن نقل مشاكل العمل إلى المنزل يؤثر بشكل مباشر على العلاقات الأسرية، لأن الأسرة تحتاج إلى الحضور النفسي والعاطفي وليس الجسدي فقط، وأوضح أن الإنسان عندما يعود مثقلاً بالضغوط يصبح أقل صبراً وأكثر انفعالاً، ما ينعكس على جودة الحوار مع شريك الحياة والأبناء.
وأفاد في حديثه لـ "شام" بأن تكرار هذا النمط يحوّل الضغوط المهنية إلى توتر أسري، وقد يشعر أفراد الأسرة بالإهمال، رغم أن مصدر المشكلة خارج المنزل، وأشار إلى أن "المنزل يجب أن يكون مساحة للتعافي، لا امتداداً لمكتب العمل".
وبيّن ويس أن هناك علامات واضحة تدل على فقدان التوازن بين العمل والحياة، منها التفكير المستمر في العمل حتى أثناء الإجازات، وعدم القدرة على الاسترخاء، والشعور بالذنب عند الراحة، وإهمال الأسرة والهوايات والعلاقات الاجتماعية، إضافة إلى اضطرابات النوم والإرهاق المستمر وتراجع الرضا عن الحياة رغم تحقيق نجاحات مهنية.
وشدد على أن تحقيق التوازن يبدأ بقرار شخصي ويتطلب بيئة عمل داعمة، وذكر أن من الخطوات العملية تحديد وقت واضح لانتهاء الدوام، والامتناع عن متابعة الرسائل المهنية خارج أوقات العمل إلا عند الضرورة، وتخصيص وقت للأسرة، وممارسة الرياضة والهوايات، والحرص على الإجازات الدورية، وتعلم إدارة الوقت وتفويض بعض المهام.
وأضاف أن المؤسسات مطالبة ببناء ثقافة إدارية تقيس الموظف بإنجازه لا بعدد ساعات العمل، لأن الموظف المتوازن نفسياً أكثر إبداعاً وإنتاجية وولاءً لمؤسسته.
وأكد سعد ويس على أن التوازن بين العمل والحياة ليس معادلة مثالية يصعب الوصول إليها، بل مهارة يمكن تعلمها وممارستها يومياً، وشدد على أن الإنسان الذي يحافظ على صحته النفسية ويمنح أسرته وقتها ويؤدي عمله بإتقان هو الأكثر قدرة على الاستمرار والنجاح، وقال: "ليس النجاح أن تصل إلى القمة منهكاً، بل أن تصل إليها وأنت ما زلت تحتفظ بصحتك وأسرتك وسلامك الداخلي".
في المحصلة، يظهر أن التوازن بين العمل والحياة يرتبط بشكل مباشر بالصحة النفسية وجودة العلاقات والأداء المهني، في ظل تزايد الضغوط اليومية، كما يتبين أن تحقيق هذا التوازن يعتمد على مجموعة من العوامل الفردية والمؤسساتية، بما ينعكس على استقرار الإنسان وقدرته على الاستمرار في العمل والإنتاج.