بين الواقع والصورة المثالية.. كيف تؤثر المنصات الرقمية في نظرة الطفل إلى نفسه؟
تؤثر المنصات الرقمية بصورة متزايدة في الطريقة التي يرى بها الأطفال أنفسهم والعالم المحيط بهم، إذ لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية بما تعرضه من صور ومقاطع تقدم نماذج مختلفة للمظهر والنجاح والحياة الاجتماعية، وهو ما قد يدفع الطفل إلى مقارنة نفسه بما يشاهده قبل امتلاكه القدرة الكافية على التمييز بين الواقع والمحتوى المنتقى أو المعدل.
وتثير المقارنات المتكررة عبر الشاشات تساؤلات حول انعكاسها على ثقة الطفل بنفسه وصورته عن جسده وقدراته، إلى جانب العلامات التي يمكن أن تساعد الأسرة على اكتشاف التأثيرات السلبية مبكراً، والدور الذي يمكن أن تؤديه في بناء علاقة أكثر توازناً بين الطفل والعالم الرقمي.
مرحلة تأسيس نفسي
قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل ضمن منصة «نفسجي»، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الطفولة تمثل مرحلة «التأسيس النفسي» التي يبني الطفل خلالها ثقته بنفسه ويشكل صورته عن جسده، موضحة أن الاستخدام المبكر لوسائل التواصل الاجتماعي قد يؤثر في هذه العملية عبر مسارات متعددة.
وأوضحت قرنفل أن أحد أبرز هذه المسارات يتمثل في ربط الطفل قيمته الشخصية بالأرقام، إذ قد ينتقل من بناء ثقته بنفسه عبر تفاعله الطبيعي مع أسرته وأقرانه إلى تقييم ذاته وفق عدد الإعجابات والمشاهدات والتفاعلات التي يحصل عليها.
وأضافت أن غياب التفاعل الرقمي قد يفسره الطفل بوصفه شكلاً من أشكال الرفض الاجتماعي، الأمر الذي يمكن أن يجعله، وفق تقديرها، أكثر عرضة للهشاشة النفسية وربط قيمته بمدى قبول الآخرين له عبر الشاشة.
متعة فورية مقابل التجربة الواقعية
أشارت قرنفل إلى أن الهاتف يوفر للطفل متعة فورية لا تتطلب في كثير من الأحيان مقدار الجهد الذي تحتاج إليه التجارب الواقعية، ما قد يقلل فرص خوضه تجارب المحاولة والخطأ والتعلم التدريجي منها.
ولفتت إلى أن الطفل عندما يعتاد الحصول على الإشباع السريع قد يجد صعوبة أكبر عند مواجهة تحديات تحتاج إلى الصبر والمثابرة، وقد ينسحب عند أول عقبة لشعوره بالعجز أو قلة الحيلة بدلاً من مواصلة المحاولة.
عندما يقارن الطفل نفسه بصورة معدلة
حذرت قرنفل من تأثير معايير الجمال التي تقدمها بعض المنصات الرقمية، ولا سيما مع الانتشار الواسع للفلاتر والصور المعدلة، موضحة أن الطفل قد لا يمتلك النضج الكافي لإدراك الفارق بين المظهر الحقيقي والصورة التي خضعت للتعديل.
وبيّنت أن مقارنة الطفل مظهره الطبيعي بصور مثالية أو معدلة يمكن أن تؤثر مبكراً في تقديره لذاته وصورته عن جسده، خصوصاً عندما يتعامل مع ما يشاهده باعتباره معياراً واقعياً ينبغي الوصول إليه.
المقارنة تبدأ مبكراً
أوضحت قرنفل أن المقارنة الاجتماعية تبدأ لدى الأطفال في سن مبكرة، ولا سيما اعتباراً من عمر ثماني سنوات، بوصفها جزءاً من تطورهم المعرفي ومحاولتهم تحديد مكانتهم ضمن محيطهم، إلا أن وسائل التواصل، بحسب رأيها، قد تسرّع هذه العملية وتقدمها بصورة مشوهة.
وربطت المقارنة الرقمية برغبة الطفل الطبيعية في الانتماء ومجاراة أقرانه والحصول على القبول، إلى جانب جاذبية المحتوى البصري، في وقت قد يصعب عليه إدراك أن ما يشاهده ليس الحياة الكاملة للآخرين، وإنما لقطات مختارة بعناية وقد تكون معدلة.
من عدم الرضا إلى الانعزال
لفتت الأخصائية النفسية إلى أن استمرار المقارنات قد ينعكس على صورة الطفل عن جسده ويزيد شعوره بعدم الثقة بمظهره، وقد يرتبط في بعض الحالات باضطرابات في الأكل أو ارتفاع مستويات القلق والمشاعر الاكتئابية.
وأضافت أن الطفل قد يبدأ بالانسحاب من الأنشطة الواقعية خوفاً من الفشل أو نتيجة شعوره بعدم القدرة على مجاراة الصور المثالية التي يشاهدها، فيما يمكن أن تظهر آثار أخرى في صورة تراجع الرضا عن الحياة والإحباط المستمر والشعور بأن الآخرين يعيشون حياة أفضل منه أو يمتلكون أشياء يفتقدها.
علامات يمكن للأسرة ملاحظتها
ذكرت قرنفل أن التغيرات الحادة في مزاج الطفل بعد ترك الهاتف، مثل الغضب أو البكاء أو الإحباط الشديد، قد تكون من المؤشرات التي تستدعي انتباه الوالدين، إلى جانب تكرار شكواه من مظهره أو ملابسه أو المستوى المعيشي لأسرته.
وأشارت إلى أن تفقد الهاتف بصورة قهرية والقلق الشديد عند انقطاع الإنترنت قد يرافقان الاستخدام المفرط، كما يمكن أن يتراجع اهتمام الطفل باللعب مع أصدقائه أو قضاء الوقت مع أسرته.
وأضافت أن التأثير قد يظهر أيضاً من خلال اضطرابات في النوم أو تغير العادات الغذائية، بما في ذلك الأرق واستخدام الهاتف سراً أثناء وجود الطفل في السرير أو ملاحظة تبدلات في نمط تناوله للطعام.
قواعد واضحة لاستخدام الشاشات
أكدت قرنفل أهمية وضع الأسرة قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة والشاشات، وعدم إبقاء الهاتف متاحاً أمام الطفل بصورة مستمرة ومن دون متابعة، مشيرة إلى أنها تطبق في منزلها قاعدة تمنع استخدام الشاشات أثناء تناول الطعام وخلال الساعة التي تسبق النوم.
ودعت إلى تعزيز ثقة الطفل بنفسه من خلال التركيز على قدراته الواقعية وجهده وأخلاقه ومهاراته، بدلاً من جعل المظهر محوراً رئيسياً للثناء، كالإشادة برسمة أنجزها أو مساعدة قدمها للآخرين أو مهارة طورها.
تعليم الطفل «الوعي الرقمي»
شددت قرنفل على أهمية تعريف الطفل بمبادئ «الوعي الرقمي»، من خلال شرح كيفية استخدام الفلاتر وطبيعة الإعلانات والمحتوى المنتقى، ومساعدته على إدراك أن الصور والمقاطع التي يشاهدها لا تمثل بالضرورة الواقع الكامل لأصحابها.
وأوضحت أن فهم الطفل لطريقة صناعة المحتوى الرقمي يمكن أن يساعده على النظر إليه بوعي أكبر، بدلاً من التعامل مع كل ما يظهر أمامه بوصفه معياراً حقيقياً للمظهر أو النجاح أو أسلوب الحياة.
بدائل تعيد الطفل إلى العالم الواقعي
دعت قرنفل إلى توفير بدائل حركية واجتماعية تمنح الطفل فرصاً حقيقية للتفاعل واكتشاف قدراته، مثل ممارسة الرياضة والأنشطة الفنية والكشافة وغيرها من الأنشطة التي تساعده على الحركة والتواصل وتفريغ طاقته بعيداً عن الشاشة.
وشددت على أهمية دور الوالدين بوصفهما نموذجاً أمام الطفل، موضحة أن تنظيم استخدام الشاشات ينبغي أن يبدأ من الكبار أنفسهم، إذ يصعب مطالبة الطفل بالابتعاد عن الهاتف في الوقت الذي يرى فيه والديه منشغلين بأجهزتهما باستمرار.
علاقة أكثر توازناً مع العالم الرقمي
تتعدد، وفق ما أوضحته قرنفل، صور تأثير المحتوى الرقمي في الأطفال، بدءاً من المقارنة في المظهر والقدرات والمستوى المعيشي، وصولاً إلى تغيرات في المزاج والنوم والعادات اليومية والعلاقات الاجتماعية.
وتتركز سبل الحد من هذه التأثيرات في تنظيم استخدام الشاشات، وتعزيز تجارب الطفل الواقعية وثقته بقدراته، وتعليمه فهم طبيعة المحتوى الذي يشاهده، إلى جانب تقديم الوالدين نموذجاً متوازناً في التعامل مع الأجهزة الرقمية، بما يساعد الطفل على استخدام التكنولوجيا دون أن تتحول الصورة المثالية على الشاشة إلى معيار يقيس من خلاله قيمته ونظرته إلى نفسه.