بين الترقب والقلق… الطلاب يواجهون مرحلة انتظار النتائج
قبل أيام، أنهى طلاب شهادتي التعليم الأساسي (التاسع) والثانوية العامة (البكالوريا) في سوريا امتحاناتهم، بعد فترة طويلة من التحضير المكثف وما رافقها من جهد دراسي وضغط نفسي متواصل. ومع انتهاء هذه المرحلة، دخل الطلاب في فترة انتظار النتائج، وهي مرحلة لا تقل حساسية عن الامتحانات نفسها.
وتتسم هذه الفترة عادةً بمشاعر متباينة من القلق والترقب والارتباك، حيث يعيش كثير من الطلاب حالة من التوتر المرتبط بالمجهول، في ظل التفكير المستمر بالنتائج وما تحمله من انعكاسات على مستقبلهم الدراسي، وفي ظل هذه الأجواء، يواجه بعض الطلاب مستويات مرتفعة من الضغط النفسي، ما يستدعي توفير دعم حقيقي لهم، سواء من قبل الأهل لمساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة.
في هذا السياق، قالت رهف قرنفل، أخصائية نفسية تعمل ضمن منصة «نفسجي»، من خلال تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن فترة انتظار نتائج الشهادة الثانوية تُعد من أكثر المراحل حساسية وضغطاً في حياة الطالب، ووصفتها بأنها حالة من "القلق المعلق" أو "الترقب الحذر"، موضحة أن الطلاب يمرون خلالها بتقلبات مزاجية حادة تتراوح بين لحظات من التفاؤل والهدوء المؤقت، ونوبات من الذعر والتوتر المفاجئ.
وأضافت قرنفل أن كثيراً من الطلاب يعانون خلال هذه الفترة من الأرق الليلي، وصعوبة التركيز، وفقدان الشغف بالقيام بالأنشطة اليومية، إلى جانب شعور عام بعدم الاستقرار، وكأن حياتهم متوقفة إلى حين صدور النتيجة.
وأشارت إلى أن مصادر القلق والتوتر بعد انتهاء الامتحانات متعددة، ولعل أبرزها في السياق السوري يتمثل في الخوف من المجهول، من حيث التفكير المستمر في شكل الأسئلة وطريقة التصحيح ومدى مطابقتها للإجابات التي قدمها الطالب.
ونوهت إلى أن ربط المصير بالنتيجة يشكل عاملاً ضاغطاً، إذ يشعر الطالب بأن مستقبله المهني والأكاديمي بأكمله يتوقف على علامة واحدة، ما يخلق لديه هاجس "الفشل" أو "النجاح".
وبينت أن مقارنة الطالب نفسه بالآخرين، من خلال متابعة آراء زملائه وتوقعاتهم حول أدائهم، تولد مقارنات سلبية تزيد من حجم الضغط النفسي، ولفتت إلى أن الاستنزاف النفسي التراكمي الناتج عن الإرهاق العصبي والجسدي خلال فترة التحضير والامتحانات يترك أثراً واضحاً في مرحلة الانتظار، ويضاعف من حدة التوتر.
وذكرت قرنفل أن التوقعات الأسرية والمجتمعية تلعب دوراً سلبياً كبيراً في مضاعفة الضغط، حيث يعكس بعض الأهالي مخاوفهم أو طموحاتهم غير المحققة على أبنائهم، ما يخلق بيئة منزلية مشحونة بالتوتر.
وتحدثت عن أن عبارات مثل "يجب أن ترفع رأسنا" أو التركيز على "المجموع العالي" كشرط للقبول الأسري، تحول الامتحان من مجرد تقييم أكاديمي إلى تهديد مباشر للقيمة الذاتية للطالب، الأمر الذي يجعله يخشى ليس النتيجة بحد ذاتها، بل نظرة المجتمع وخيبة أمل العائلة.
وأوضحت أن الدور المطلوب من الأهل يتمثل في تخفيف هذا العبء النفسي، من خلال الفصل بين القيمة الإنسانية والتحصيل الأكاديمي، بحيث يدرك الأبناء أن الحب والقبول غير مشروطين بالنتيجة.
وأكدت ضرورة توفير بيئة منزلية هادئة، عبر تجنب النقاشات المستمرة حول التوقعات والمعدلات، والابتعاد عن المقارنات مع الآخرين، وشددت على أهمية الاحتفال بجهد الطالب وتعبه طوال العام الدراسي، بدلاً من التركيز على النتيجة النهائية فقط، لما لذلك من أثر إيجابي في دعمه نفسياً.
وأفادت بضرورة فتح حوار هادئ وبنّاء حول الخيارات والخطط البديلة في حال لم تأتِ النتيجة كما يُتوقع، بما يسهم في تقليل حدة الصدمة المحتملة، وأشارت قرنفل إلى مجموعة من الاستراتيجيات التي يمكن للطلاب اتباعها للتعامل مع القلق والتفكير المستمر، من بينها إدارة الأفكار بشكل عقلاني، عبر تذكير الذات بأن الامتحان قد انتهى ولم يعد بالإمكان تغيير ما كُتب، وأن القلق لن يغير من النتيجة شيئاً.
وأضافت أن من المهم الحد من التفكير التوقعي، وتجنب محاولات استرجاع الإجابات أو توقع العلامات، لما في ذلك من استنزاف للطاقة وزيادة في مستويات التوتر، ونوهت إلى أهمية التفريغ الانفعالي، من خلال ممارسة التمارين الرياضية أو المشي أو الانخراط في الهوايات المفضلة، بهدف التخلص من شحنات القلق الزائدة.
وبينت كذلك أن الاسترخاء واليقظة الذهنية، عبر تخصيص وقت يومي لتمارين التنفس العميق والتأمل، تسهم في تهدئة الجهاز العصبي وتحسين الحالة النفسية.
وختمت قرنفل برسالة موجهة للطلاب، أكدت فيها أنهم ليسوا مجرد رقم في شهادة أو مجموع علامات، مشددة على أن الثانوية العامة محطة مهمة في الحياة، لكنها ليست المحطة الأخيرة، ولا تحدد قيمة الذكاء أو المستقبل المهني.
ولفتت إلى أن الفرص في الوقت الحالي متعددة، وأن النجاح يصنعه الشغف والإصرار والتعلم المستمر، وليس العلامات فقط، داعية الطلاب إلى تبني قناعة أن النجاح في الحياة له أكثر من طريق، وأن تحقيق النتيجة المرجوة أمر إيجابي، أما في حال جاءت النتيجة مختلفة، فإن ذلك لا يلغي وجود فرص أخرى قد تكون أكثر ملاءمة لقدراتهم واهتماماتهم.
يرى مختصون نفسيون أن دور الأهل في هذه المرحلة يتطلب قدراً عالياً من الوعي بطبيعة الحالة التي يمر بها الأبناء، حيث ينصحون بتجنب توجيه الأسئلة المتكررة حول الامتحان أو النتيجة، لما لذلك من أثر في إعادة استحضار القلق، مقابل أهمية إتاحة مساحة مريحة يشعر فيها الطالب بالهدوء دون ضغط إضافي.
ويشير المختصون إلى ضرورة اعتماد أسلوب تواصل داعم يقوم على الاستماع دون إصدار أحكام، إلى جانب تشجيع الأبناء على ممارسة أنشطة يومية تساعدهم على كسر حالة الانتظار، مؤكدين أن حضور الأهل بطريقة متزنة وهادئة يسهم في تعزيز شعور الأمان النفسي لدى الطالب خلال هذه الفترة.
تُعدّ فترة انتظار النتائج من المراحل التي قد يمرّ فيها الطلاب بحالة من التوتر والقلق، نتيجة ترقبهم لنتائج قد لا تتوافق دائماً مع توقعاتهم وطموحاتهم، وقد ينعكس هذا الشعور أحياناً على حالتهم النفسية، خاصة مع طول فترة الانتظار وما يرافقها من تفكير مستمر بالنتيجة، في وقت يشير فيه مختصون إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه المحيط الأسري في دعم الطلاب خلال هذه المرحلة.