بين إدلب ودير الزور والرقة.. مشاهد متبادلة من التضامن الإنساني
بين إدلب ودير الزور والرقة.. مشاهد متبادلة من التضامن الإنساني
● مجتمع ٣ يونيو ٢٠٢٦

بين إدلب ودير الزور والرقة.. مشاهد متبادلة من التضامن الإنساني

في ظل الأزمات المتكررة التي شهدتها عدة مناطق سورية خلال السنوات الماضية، برزت مظاهر لافتة من التضامن المجتمعي بين السوريين، تمثلت في مبادرات فردية وجماعية لمساندة المتضررين، سواء خلال الفيضانات التي طالت مناطق في دير الزور، أو في حالات النزوح وغرق بعض المخيمات في إدلب، إضافة إلى قوافل إغاثية انطلقت من محافظات مختلفة باتجاه مناطق منكوبة، من بينها مبادرات قادمة من الرقة.

وفيما يتعلق بالحملات الإنسانية التي شهدتها الفترة الأخيرة، برزت حملة "فزعتنا لأهل الدير" التي نُفذت في محافظة إدلب بالتعاون مع عدد من الفعاليات الإنسانية والمجتمعية، بهدف دعم الأسر المتضررة من فيضان نهر الفرات في محافظة دير الزور، والذي تسبب بأضرار واسعة طالت المنازل والأراضي الزراعية ومصادر رزق الأهالي.

وانطلقت قافلة مساعدات إنسانية من مدينة إدلب باتجاه محافظتي الرقة ودير الزور، في إطار تعزيز الاستجابة المجتمعية ورفع مستوى الدعم المقدم للمناطق المتضررة خلال الفترة الأخيرة.

وفي هذا السياق، في حديثه لشبكة شام الإخبارية، سلّط الباحث الاجتماعي محمد الحسن الضوء على دلالات هذا السلوك المجتمعي وأبعاده، عن تحولات العلاقات بين السوريين وتجاربهم المشتركة خلال السنوات الماضية.

وقال الحسن إن مشهد قوافل التضامن بين السوريين ليس جديداً، مشيراً إلى أن شتاء عام 2012 شهد اصطفاف سيارات في مدينة إدلب لتسيير قافلة مساعدات من الأهالي إلى أحياء حمص المحاصرة، وهو ما اعتُبر آنذاك حدثاً لافتاً لدى كثير من السوريين، وأوضح أن هذا المشهد دفع بعضهم للتساؤل عن العلاقة بين إدلب وحمص، لافتاً إلى أن الإجابة جاءت من هتافات المتظاهرين التي أكدت أن الشعب السوري واحد.

وبيّن أن غالبية السوريين لم يكونوا يعرفون بعضهم البعض بشكل كافٍ، مضيفاً أن المعرفة بين أبناء المحافظات كانت محدودة، وغالباً ما اقتصرت على حكايات ونكات صيغ كثير منها في أقبية المخابرات بهدف تعزيز النزعة المناطقية والطبقية داخل المجتمع.

وذكر أن سنوات الثورة، إلى جانب تطور وسائل الإعلام، أسهمت في زيادة معرفة السوريين ببعضهم، مشيراً إلى أن هذه المعرفة تحولت لاحقاً إلى تجربة واقعية مع موجات النزوح الداخلي وحملات التهجير التي نفذها النظام البائد.

وأشار إلى أن هذه الحملات شملت تهجير أحياء حمص المحاصرة عام 2014، ثم أحياء حلب الشرقية عام 2016، إضافة إلى تهجير مناطق الغوطتين والقلمون والوعر ودرعا، فضلاً عن موجات الهجرة الواسعة من شمال شرق سوريا نتيجة سيطرة تنظيم داعش وقوات سوريا الديمقراطية والنظام البائد.

ولفت إلى أن هذه التطورات أفضت إلى تشكل ما يُعرف بـ"التجربة الإدلبية"، والتي ساهمت في تعريف السوريين ببعضهم البعض، موضحاً أنهم توحدوا ضمن إطار ثورة الحرية والكرامة، ونوّه إلى أن هذا التضامن الاجتماعي تجلى بوضوح خلال زلزال شباط 2023، حيث انطلقت قوافل "الفزعة" من دير الزور إلى إدلب، مشيراً إلى أن الأغطية التي نسجتها الأمهات في الميادين والبوكمال والشحيل وصلت إلى المتضررين في جنديرس وحارم وسلقين.

وأكد أن تلك المبادرات مثلت واحدة من أبرز صور التكافل الاجتماعي، مبيناً أنها أسهمت في تجاوز الكثير من الصور النمطية السلبية المسبقة بين مكونات المجتمع السوري، وأضاف أن المشهد يتكرر اليوم بصورة معكوسة، حيث تنطلق قوافل المساعدات من إدلب وحلب باتجاه المتضررين من فيضان الفرات في دير الزور والرقة، معتبراً أن ذلك يأتي في إطار رد الجميل لمن قدموا الدعم سابقاً.

وأفاد في تصريح خاص لـ شام، بأن من أبرز الجوانب الإيجابية المرتبطة بحدث الفيضان هو معرفة سكان إدلب بتفاصيل القرى والمدن المتضررة في دير الزور، رغم أن كثيرين منهم لم يزوروها سابقاً، مرجعاً ذلك إلى تجربة التهجير والعيش المشترك ووحدة المصير.

وشدد على أن ما يحتاجه السوريون اليوم هو تعزيز التعارف فيما بينهم من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، داعياً إلى إطلاق برامج وجلسات حوارية تجمع مختلف المحافظات بهدف إزالة الحواجز والأفكار السلبية التي ترسخت خلال السنوات الماضية، وأوضح أن هذه الجهود تكتسب أهمية خاصة في المحافظات التي بقيت تحت سيطرة النظام البائد حتى وقت متأخر، مؤكداً ضرورة العمل على تجاوز آثار تلك المرحلة.

وأكد أولى خطوات إعادة الإعمار تبدأ بتعزيز التعارف والحوار بين السوريين، مشيراً إلى مبادرة "حديث السوريين" كنموذج على هذه الجهود، ومؤكداً أن بناء المجتمع ومعالجة جراحه يشكلان الأساس لبناء الدولة وإعادة إعمارها.

ويرى مختصون اجتماعيون أن بروز مظاهر التضامن بين السوريين خلال السنوات الماضية يعكس تحولات في طبيعة العلاقات الاجتماعية، مشيرين إلى أن التجارب المشتركة، كالنزوح والكوارث، لعبت دوراً في تعزيز التعارف بين أبناء المناطق المختلفة وترسيخ الشعور بوحدة المصير. 

ويؤكد المختصون أن هذه السلوكيات لا تقتصر على الاستجابة للأزمات، بل يمكن أن تشكل مدخلاً لبناء علاقات مجتمعية أكثر تماسكاً، خاصة مع دعمها بمبادرات تعزز الحوار والتواصل بين مختلف المناطق.

وتعكس هذه المشاهد المتكررة من المبادرات والتضامن بين السوريين استمرار حضور الروابط الاجتماعية بين مختلف المناطق، رغم ما مرّت به البلاد من أزمات خلال السنوات الماضية، وبين الاستجابة للأزمات وإعادة بناء أشكال التواصل، يبقى البعد الإنساني حاضراً في تفاصيل المشهد العام، بما يعزز من قيم التعاون والتكافل بين أبناء المجتمع.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ