النساء الأرامل… أعباء متزايدة بين المعيشة وتربية الأبناء
تجد النساء الأرامل أنفسهن مضطرات للتعامل مع متطلبات الحياة اليومية بمفردهن، من تأمين الاحتياجات الأساسية إلى متابعة شؤون الأبناء واتخاذ القرارات المرتبطة بحياتهم بعد غياب الزوج، ولا يقتصر ذلك على الجانب المعيشي، بل يمتد ليشمل ضغوطاً نفسية واجتماعية مرتبطة بهذا التغيير في نمط حياتهن.
وخلال سنوات الثورة السورية، ازدادت صعوبة الأوضاع التي تواجهها الأرامل مع ما شهدته البلاد من قصف ونزوح وتراجع في الموارد، ما انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للأسر، وفي هذا السياق اضطرت كثير من النساء إلى تحمّل أعباء إضافية في ظل ظروف قاسية.
من فقدان الزوج إلى إعالة ستة أطفال
روت "ندى الورد" (اسم مستعار)، وهي سيدة تقيم في ريف إدلب، تبلغ من العمر 50 عاماً، لشبكة شام الإخبارية، تفاصيل تجربتها بعد فقدان زوجها قبل 22 عاماً نتيجة إصابته بمرض السرطان، حين كانت في الثامنة والعشرين من عمرها، لتجد نفسها مسؤولة عن ستة أطفال، أربع بنات وولدين.
أشارت إلى أنها تحملت مسؤوليات الأب والأم معاً، رافضةً عروض الزواج التي تلقتها، ومكرسة حياتها لتربية أطفالها وتأمين احتياجاتهم، ولفتت أنها عملت في عدة مهن لتأمين لقمة العيش، منها رشّ الخرز والعُبي لمدة عام.
ثم عملت كمستخدمة وطاهية لدى إحدى المعلمات، مشترطةً أن يكون زوج المعلمة غير موجود في المنزل أثناء ساعات عملها، التزاماً بالعادات والتقاليد وتجنباً لانتقادات المجتمع، وكانت تعمل من الساعة الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً مقابل أجر يومي.
كما عملت في تنظيف المنازل والفيلات والغرف برفقة سيدة أخرى، حيث كانتا تتقاسمان الأجر، مؤكدة أنها كانت تنسى تعبها بمجرد تأمين احتياجات أطفالها.
تحديات النزوح والعمل… وصمود رغم الفقد
وأوضحت السيدة ندى أن الصعوبات تفاقمت خلال سنوات الثورة، خاصة بعد اضطرارها للنزوح من منزلها في حلب، حيث واجهت ظروفاً قاسية تمثلت في انقطاع الكهرباء، وصعوبة تأمين الخبز، وغياب الاستقرار، مشيرة إلى أنها كانت تضطر أحياناً للطهي على الحطب والدفية.
وأضافت أنها عملت في مجالات زراعية متعددة، كالحصاد وقطاف الزيتون وغيرها، قبل أن تنتقل للعمل في بيع الألبسة الجاهزة، ثم كمندوبة مبيعات في شركة "رويال"، حيث كانت تتنقل يومياً حاملة حقيبتها لتسويق المنتجات.
وبيّنت أنها طورت نفسها من خلال تعلم مهارات التسويق، ما أتاح لها العمل لاحقاً في أحد المراكز التجارية، حيث تولت إدارة قسم لمستحضرات التجميل، كما عملت مع شركات متخصصة بتوريد مستلزمات صالونات التجميل.
وأكدت أن غياب زوجها ما زال يترك أثره في حياتها اليومية، خاصة في المناسبات المهمة، كعقد قران ابنتها الأولى أو طلاق إحدى بناتها، مشيرة إلى أنها كانت تتحلى بالصبر لتتمكن من الاستمرار ودعم أبنائها.
من ضغوط المعيشة إلى الصحة النفسية
وقالت الأخصائية النفسية فيروز عماري، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن أبرز التحديات التي تواجهها السيدات الأرامل تتمثل في تأمين متطلبات الحياة المعيشية وتربية الأطفال، إلى جانب مواجهة الواقع الصعب بشكل عام، لافتةً إلى أن هذه التحديات تشمل أيضاً تحمّل المسؤوليات المرتبطة بالتربية والتعليم، والعمل على تأمين مختلف الحاجات والمتطلبات المرافقة لذلك.
وأكدت أن الأحداث التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية كان لها دور كبير في مضاعفة المسؤوليات الملقاة على عاتق النساء، والتي كان من المفترض تقاسمها بوجود الزوج، ما اضطر الكثير منهن إلى دخول سوق العمل، بمختلف أشكاله، لتأمين احتياجات أطفالهن.
ونوّهت إلى أن الوضع الصحي للزوجة والأبناء يتأثر بشكل مباشر بهذه الضغوط، وما يرافقها من تبعات نفسية وجسدية مؤلمة، إذ تعاني كثير من النساء، إلى جانب الأعباء الأسرية والاجتماعية، من آثار نفسية مثل الاكتئاب والتوتر والقلق، إضافة إلى مشاعر الوحدة والعصبية، كما تظهر لديهن مشكلات صحية جسدية، كآلام الظهر (الديسك)، وآلام القدمين والركبتين، وغيرها من الآلام المرتبطة بالإجهاد المستمر.
وبيّنت أن من أهم ما ينبغي على النساء التركيز عليه هو الاهتمام بالرعاية الذاتية للحفاظ على توازنهن النفسي، عبر الإصغاء لمشاعرهن وتقبّلها، وإحاطة أنفسهن بأشخاص إيجابيين داعمين، إلى جانب التحلي بالصبر والحكمة في مواجهة الضغوط والتحديات اليومية.
وأشارت إلى ضرورة بناء علاقات اجتماعية مع أشخاص داعمين، والعمل على إعادة ترتيب الحياة بما يتناسب مع الظروف الجديدة، مع تخصيص وقت للراحة واستعادة التوازن، كما شددت على أهمية التأقلم مع الواقع الحياتي، والالتحاق بدورات تدريبية تسهم في تطوير المهارات والقدرات، إلى جانب عدم التردد في الاستعانة بأخصائيين عند الحاجة.
ورأت أنه على المستوى الحكومي ودور المنظمات، ينبغي العمل على تعديل القوانين بما يضمن حماية هذه الفئة من النساء وإنصافها، عبر توفير رواتب شهرية، وتأمين صحي، ورعاية شاملة للأطفال تشمل تعليمهم ودمجهم في مراكز ومدارس مناسبة.
كما أكدت ضرورة المتابعة المستمرة لهذه الأسر، بما يساعدها على الوصول إلى قدر من الاستقرار، ويعزز قدرتها على مواجهة الواقع وبناء حياتها، إلى جانب تمكين النساء من الحصول على فرص عمل كريمة تضمن لهن ولأطفالهن حياة مستقرة.
إعادة تنظيم الحياة بعد الفقد
ويرى أخصائيون أن التحديات التي تواجهها المرأة بعد فقدان زوجها لا يقتصر فقط على الأعباء المعيشية أو تربية الأبناء، بل يمتد إلى التغيّر الذي يطرأ على دورها داخل الأسرة، إذ تجد نفسها مطالبة باتخاذ قرارات كانت تُتخذ بشكل مشترك سابقاً، ما يضعها أمام مسؤولية مستمرة في إدارة شؤون حياتها وحياة أطفالها.
ويشيرون إلى أن هذا التحول يتطلب وقتاً للتكيّف، خاصة في المراحل الأولى، حيث تحاول المرأة إعادة تنظيم حياتها وترتيب أولوياتها، بما يساعدها على الاستمرار وتجاوز هذه المرحلة بشكل تدريجي.
ويؤكد مختصون أن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب التركيز على خطوات عملية تساعد المرأة على استعادة توازنها تدريجياً، من خلال تنظيم أولوياتها اليومية وتخفيف الضغوط قدر الإمكان، وعدم تحميل نفسها أكثر من طاقتها في فترة قصيرة.
وينوهون إلى أهمية البحث عن مصادر مساندة في المحيط القريب، سواء من العائلة أو المجتمع، إلى جانب الاهتمام بالاستقرار النفسي عبر تخصيص وقت للراحة والاهتمام بالذات، كما يشددون على ضرورة العمل على تطوير المهارات الشخصية أو المهنية بما يفتح فرصاً أفضل في المستقبل، مع عدم التردد في طلب الاستشارة المتخصصة عند الحاجة.
وتبقى المرأة بعد فقدان زوجها أمام مسؤوليات يومية تتعلق بتأمين احتياجات الأسرة ومتابعة شؤون الأبناء، في ظل ظروف معيشية صعبة، فضلًا عن الضغوط الاجتماعية والنفسية، وتضطر إلى التحمل في سبيل الحفاظ على استقرار الأسرة.