العائلة عبر الشاشة: هل عوّضت مكالمات الفيديو دفء الزيارات؟
العائلة عبر الشاشة: هل عوّضت مكالمات الفيديو دفء الزيارات؟
● مجتمع ٣٠ أبريل ٢٠٢٦

العائلة عبر الشاشة: هل عوّضت مكالمات الفيديو دفء الزيارات؟

تُعدّ الزيارة المنزلية من العادات الاجتماعية الراسخة في سوريا، حيث اعتاد الأقارب على اللقاء وقضاء الوقت معاً في مختلف المناسبات، سواء للاطمئنان عند المرض، أو مشاركة الأفراح، أو في إطار صلة الرحم والواجب الاجتماعي، وبذلك شكّلت هذه الزيارات جزءاً أساسياً من تفاصيل الحياة اليومية، وركيزة في ترابط العلاقات بين العائلات.

لكن هذه الصورة بدأت تتغيّر خلال السنوات الماضية، مع ما شهدته البلاد من نزوح وسفر وتشتّت عائلي، إلى جانب ضغوط العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلاً عن التطور التكنولوجي وانتشار الأجهزة الذكية، في هذا السياق، تراجعت الزيارات الاجتماعية لدى بعض الأسر، مقابل حضور متزايد لوسائل التواصل الحديثة، ولا سيما مكالمات الفيديو التي أصبحت وسيلة أساسية للتواصل اليومي.

وفي كثير من البيوت، لم يعد اللقاء يقتصر على الزيارة المباشرة أو الجلوس حول مائدة واحدة، إذ بات اتصال قصير كافياً لبدء “لقاء” عبر شاشة، تختصر المسافات وتتيح تواصلاً سريعاً حتى وإن ظلّ مختلفاً في طبيعته عن الحضور الفعلي.

هذا التحوّل لم يحدث بشكل مفاجئ، بل تسلّل تدريجياً إلى حياة العائلات، ومع الوقت تغيّرت أنماط التواصل داخل الأسرة، ليصبح الغياب الجسدي أكثر اعتياداً في مقابل حضور بديل عبر الوسائط الرقمية.

في السابق، كانت الزيارة تتم بموعد مسبق أو حتى بشكل مفاجئ، ويقضي خلالها الزائر وقتاً مع العائلة ضمن تفاعل مباشر، وهي، كما اليوم، لم تكن ممكنة دائماً في حالات المرض أو الانشغال، إلا أن الفارق يكمن في البديل؛ إذ وفّرت مكالمات الفيديو خياراً أكثر سهولة، لا يتطلب سوى اتصال بالإنترنت، ويمكن إجراؤه في أي وقت متاح، ما جعلها تحلّ مكان الزيارة في كثير من الأحيان.

ويبرز أثر هذا التحوّل بشكل أوضح في الحالة السورية، خاصة لدى العائلات التي ما تزال تعيش حالة تشتّت، حيث يقيم أفرادها في دول مختلفة كأوروبا وتركيا وغيرها، في مثل هذه الظروف، يصبح اللقاء المباشر صعباً، فتتيح مكالمات الفيديو الحفاظ على تواصل مستمر، ومتابعة تفاصيل الحياة اليومية، والاطمئنان على الأحوال رغم المسافات.

كما منحت هذه الوسيلة لكثير من الآباء المسافرين فرصة البقاء على تماس مع أبنائهم، من خلال الحديث معهم ومتابعة تفاصيل حياتهم اليومية، ومشاركتهم لحظات كانت تضيع سابقاً بسبب البعد، وأسهم هذا الحضور، رغم كونه افتراضياً، في منح الأطفال شعوراً بالاهتمام والطمأنينة، وفي تخفيف وطأة الغربة على الآباء.

وفي السياق ذاته، مكّنت هذه الوسيلة الأطفال الذين وُلدوا خلال سنوات الهجرة والنزوح من التعرّف على أقاربهم، كالأعمام والعمّات والأخوال والخالات، وبناء صلة أولية معهم، رغم غياب اللقاء المباشر.

في المقابل، تتباين الآراء حول هذا التحوّل؛ إذ يرى البعض أن الزيارة المنزلية ما تزال الخيار الأعمق، لما توفره من تفاعل إنساني مباشر وتفاصيل يصعب نقلها عبر الشاشة، بينما يعتبر آخرون أن مكالمات الفيديو تمثّل حلاً عملياً ينسجم مع متطلبات الحياة الحالية، خاصة في ظل التباعد الجغرافي والانشغالات اليومية.

ويعكس حرص السوريين على البقاء على تواصل، رغم ما فرضته الظروف من نزوح وتشتّت، تمسّكاً واضحاً بروابط العائلة ورفضاً لانقطاعها، فحتى مع تراجع الزيارات المباشرة، سعت كثير من الأسر إلى إيجاد بدائل تحافظ على هذا القرب، ولو بوسائل مختلفة.

ويرى مختصون في علم النفس أن استمرار التواصل داخل الأسرة، سواء كان مباشراً أو عبر الوسائط الرقمية، يشكّل عاملاً مهماً في دعم التوازن النفسي، إذ يساهم في التخفيف من مشاعر القلق، ويعزّز الإحساس بالأمان والانتماء، حتى في ظل البعد.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ