الصيد الجائر في سوريا.. استنزاف متواصل للحياة البرية يهدد التنوع الحيوي والتوازن البيئي
الصيد الجائر في سوريا.. استنزاف متواصل للحياة البرية يهدد التنوع الحيوي والتوازن البيئي
● مجتمع ٤ سبتمبر ٢٠٢٦

الصيد الجائر في سوريا.. استنزاف متواصل للحياة البرية يهدد التنوع الحيوي والتوازن البيئي

يشكل الصيد الجائر في سوريا تهديداً لا تقتصر آثاره على قتل الحيوانات والطيور البرية، بل تمتد تداعياته إلى الإخلال بالتوازن الطبيعي واستنزاف التنوع الحيوي، في ظل استمرار ممارسات صيد لا تراعي أعداد الأنواع البرية أو مواسم تكاثرها والفترات اللازمة لحمايتها، فيما يفاقم الاستهداف المتكرر لبعض الأنواع المخاوف من نتائج طويلة الأمد، ولا سيما بالنسبة إلى الأنواع محدودة الأعداد أو التي تواجه ضغوطاً بيئية أخرى.

مشاهد تعكس استمرار الظاهرة

أظهرت مقاطع مصورة متداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي عمليات صيد وبيع لحيوانات وطيور برية في مناطق مختلفة من سوريا، ما يعكس استمرار الظاهرة وتعدد الدوافع المرتبطة بها، بين البحث عن مصدر للدخل والاتجار بالحيوانات، إلى جانب ممارسات الصيد بهدف الهواية، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن أسباب انتشار الصيد الجائر والوسائل الممكنة للحد منه وحماية الحياة البرية.

عوامل اقتصادية وأمنية وتشريعية

قال المتخصص في قضايا البيئة وتغير المناخ زاهر هاشم، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن انتشار الصيد الجائر في سوريا لا يرتبط بعامل واحد، وإنما يأتي نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والتشريعية، وفي مقدمتها ضعف الرقابة وتطبيق القوانين خلال سنوات الحرب في سوريا، وما رافق ذلك من تراجع قدرة المؤسسات المعنية على حماية المناطق الطبيعية ومراقبة أنشطة الصيد.

وأضاف هاشم أن الفقر وتراجع مصادر الدخل يمثلان عاملين إضافيين في اتساع الظاهرة، إذ يلجأ بعض الأشخاص إلى صيد الطيور والحيوانات البرية بغرض الاستهلاك أو البيع، فيما تُصاد أنواع أخرى بهدف الاتجار بها في الأسواق المحلية أو تهريبها إلى دول مجاورة.

خلل في السلسلة الغذائية

حذر هاشم من أن استهداف نوع معين بأعداد كبيرة، ولا سيما الأنواع التي تؤدي أدواراً أساسية ضمن السلسلة الغذائية، يمكن أن يتسبب في اختلال العلاقة بين المفترسات والفرائس، أو بين الحيوانات والنباتات التي تعتمد عليها، ما يؤدي تدريجياً إلى تغير بنية النظام البيئي ويؤثر في قدرته على الحفاظ على توازنه الطبيعي.

الطيور المهاجرة في دائرة الخطر

أشار هاشم إلى أن سوريا تتمتع بأهمية خاصة بالنسبة إلى الطيور المهاجرة، نظراً إلى وقوعها على أحد مسارات الهجرة الرئيسية بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، مؤكداً أن استنزاف أعداد الطيور خلال عبورها الأراضي السورية لا يمثل مشكلة محلية فحسب، وإنما يمكن أن تنعكس آثاره على تجمعات الطيور العابرة للحدود.

ونبه إلى أن استمرار الصيد الجائر قد يقود إلى انقراض بعض الأنواع محلياً، ويمكن في ظروف معينة أن يرفع مستوى خطر انقراضها على نطاق أوسع، خصوصاً عندما يتزامن ضغط الصيد مع عوامل أخرى، من بينها فقدان الموائل الطبيعية والجفاف والتلوث وتغير المناخ.

التكاثر لا يعوض الخسائر

أوضح هاشم أن جوهر المشكلة يظهر عندما تتجاوز عمليات الصيد قدرة الجماعات الحيوانية على تعويض الأفراد المفقودين، إذ يؤدي الانخفاض المستمر في أعداد الحيوانات التي تصل إلى سن التكاثر عاماً بعد آخر إلى عجز معدلات التكاثر الطبيعية عن تعويض الأعداد التي يجري اصطيادها.

وبيّن أن مستوى الخطر يرتفع بصورة أكبر لدى الأنواع محدودة الأعداد، أو التي تتميز بمعدلات تكاثر بطيئة، إضافة إلى الأنواع التي يتركز وجودها ضمن موائل طبيعية محددة، مشيراً إلى أن اصطياد الطيور خلال فترات الهجرة أو مواسم التكاثر يضاعف التأثير، لأن قتل الأفراد البالغة القادرة على التكاثر يعني خسارة الأفراد الحالية وأجيال مستقبلية محتملة في الوقت نفسه.

خسائر تطال المجتمعات المحلية

لفت هاشم إلى أن الصيد الجائر قد يوفر دخلاً سريعاً لبعض الأفراد داخل المجتمعات المحلية، إلا أنه يؤدي على المدى الطويل إلى استنزاف مورد طبيعي كان من الممكن الاستفادة منه بصورة مستدامة، بما يحافظ على الحياة البرية ويحقق في الوقت نفسه فوائد مستمرة للسكان.

وبيّن في تصريح خاص لشبكة شام أن المجتمعات الريفية وسكان البادية يعتمدون بدرجات متفاوتة على الموارد الطبيعية، سواء بصورة مباشرة عبر الغذاء والرعي، أو بصورة غير مباشرة من خلال الخدمات التي توفرها النظم البيئية، ومن بينها الحفاظ على التوازن الطبيعي، والمساهمة في مكافحة بعض الآفات وانتشار البذور وغيرها من الوظائف البيئية.

وأضاف أن تراجع أعداد الحيوانات والطيور البرية يمكن أن يحرم بعض المناطق من فرص اقتصادية مرتبطة بالسياحة البيئية والأنشطة القائمة على الطبيعة، فضلاً عن زيادة المنافسة على الموارد الطبيعية المتبقية.

سياسة متكاملة للحماية

دعا هاشم إلى الانتقال في مواجهة الصيد الجائر من التعامل معه بوصفه مجرد مخالفة فردية، إلى اعتباره قضية بيئية تحتاج إلى سياسة متكاملة لإدارة الحياة البرية، تشمل التشريعات والرقابة والرصد العلمي والتوعية وحماية الموائل الطبيعية.

وأشار إلى امتلاك سوريا إطاراً قانونياً لتنظيم الصيد، إذ يهدف القانون رقم 14 لعام 2023 إلى حماية الطيور والحيوانات البرية وضمان استدامتها وتنظيم عمليات الصيد وفق ضوابط بيئية، كما يحدد المخالفات والعقوبات المرتبطة بالصيد خارج المواسم المحددة، أو من دون ترخيص، أو باستخدام وسائل محظورة.

القانون وحده لا يكفي

أكد هاشم أن وجود التشريعات لا يكفي بمفرده للحد من الظاهرة، إذا لم تتوافر فرق قادرة على الوصول إلى مناطق الصيد ومراقبتها، وضبط الأسلحة ووسائل الصيد المستخدمة، وملاحقة المخالفين، خصوصاً في المناطق النائية التي يصعب إخضاعها للرقابة المستمرة.

وشدد على ضرورة أن تستند قرارات فتح مواسم الصيد وإغلاقها إلى بيانات ودراسات علمية تتعلق بأعداد الأنواع البرية ومعدلات تكاثرها ومسارات هجرة الطيور، بدلاً من الاعتماد على الاعتبارات الإدارية وحدها.

الحاجة إلى قاعدة بيانات وطنية

طالب هاشم بتحديث قاعدة البيانات الوطنية الخاصة بالحياة البرية، موضحاً أن إدارة الصيد وفق أسس علمية تصبح صعبة من دون معلومات دقيقة عن أعداد الأنواع ومناطق انتشارها والتغيرات التي تطرأ على تجمعاتها، ما يجعل برامج الرصد الدورية للطيور والثدييات والزواحف والأنواع المهددة ضرورة أساسية لفهم واقع التنوع الحيوي واتخاذ القرارات المناسبة لحمايته.

حماية التنوع الحيوي

يفرض استمرار الصيد الجائر تحدياً متزايداً أمام جهود حماية الحياة البرية والتنوع الحيوي في سوريا، في ظل تعدد أسبابه الاقتصادية والاجتماعية والرقابية، واتساع تداعياته لتشمل الحيوانات والطيور والنظم البيئية والمجتمعات المحلية، فيما يرتبط الحد من هذه الممارسات بفاعلية تطبيق القوانين ومراقبة مناطق الصيد، وتطوير عمليات الرصد العلمي، إلى جانب تعزيز الوعي بأهمية حماية الأنواع البرية وموائلها الطبيعية والحفاظ عليها للأجيال المقبلة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ