الذهب والليرة السورية في الديون: جدلية السداد بين النص القانوني والواقع الاقتصادي
مع الهبوط الحاد في قيمة الليرة السورية، والارتفاع الكبير في أسعار الذهب، برزت إشكاليات متزايدة تتعلق بالديون بين الأفراد، خاصة في الحالات التي استُدينت فيها مبالغ مالية قبل سنوات، ثم فقدت قيمتها مع تراجع العملة، هذا الواقع خلق نزاعات بين الدائنين والمدينين حول آلية السداد وقيمة الدين، ما يسلّط الضوء على كيفية تعامل القانون السوري مع هذه الحالات.
العقد شريعة المتعاقدين
وقال الأستاذ علي محمد إسكان، المحامي والباحث في السياق القانوني والحقوقي، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن العقد يُعد شريعة المتعاقدين، وبالتالي فإن ما يتم الاتفاق عليه بين الأطراف هو ما يُعتد به وينفذ لاحقاً، شريطة أن يكون متوافقاً مع القوانين النافذة في سوريا.
وأوضح أنه على سبيل المثال، في حال اقتراض شخص مبلغاً مالياً من آخر بالدولار الأمريكي، فإن الطرفين يكونان قد وقعا في مخالفة قانونية تتعلق بالتعامل بغير الليرة السورية، وذلك قبل سقوط النظام السابق.
وبيّن أن المحاكم لا تنظر في أي دعوى أو قضية إلا بناءً على ادعاء شخصي يقدمه الدائن في حال امتناع المدين عن السداد، أو في حال تقديم دعوى بشكل قانوني أمام المحاكم السورية، وذلك وفقاً لأحكام القانون المدني السوري، ولفت إلى أن المحاكم تعتمد في هذا السياق مبدأين أساسيين، وهما:
المبدأ الأول: هو الوفاء بالمثل، وهو يعني أن عملية سداد الديون والالتزامات المالية تكون وفق ما تم الاتفاق عليه، فيما لو كان هناك عقد اتفاق بين الطرفين، ويعني أيضاً أن يتم السداد وفق المبلغ الأساسي، بغض النظر عن تراجع قيمة الليرة السورية.
وذكر مثال توضيحي: استدان سامر من سامي بموجب عقد كتابي مبلغ 25 مليون ليرة سورية، فهنا يقع على عاتق سامر سداد المبلغ وفق العقد، وهو مبلغ 25 مليون ليرة سورية، بغض النظر عن قيمة العملة في لحظة السداد.
وأشار اسكان إلى أنه خلال سنوات الثورة وانهيار قيمة الليرة السورية، أخذت بعض المحاكم ببعض المواد والقواعد القانونية للموازنة بين قيمة الديون والالتزامات المالية وقيمة الليرة، مثل نظرية الظروف الطارئة، وهي نظرية مرهقة لجميع الأطراف.
وبيّن أنه يمكن للمحاكم تحقيق التوازن في الديون من خلال قاعدة التعويض عن الضرر في حال تأخر المدين عن سداد ديونه أو التزاماته لفترة طويلة نسبياً، مما يلحق ضرراً بالغاً بالدائن، موضحاً أن هذه إجراءات استثنائية وليست القاعدة الأصلية التي تؤكد على مبدأ الوفاء بالمثل.
تأثير الانهيار الاقتصادي على النزاعات المالية
وأشار إلى أنه في بعض الحالات الاستثنائية يمكن للمحكمة النظر في الظروف الاقتصادية، خاصة في حالات الانهيار المستمر والطويل، حيث قد تتسم بعض الاجتهادات القضائية بالمرونة في ما يتعلق بتقدير حالات التأخير أو الامتناع عن السداد، مع التأكيد على ضرورة أن يكون الامتناع مقترناً بأدلة وإثباتات قانونية.
ونوّه إلى أنه يمكن للمحاكم تقدير التعويض المناسب في حال إثبات تأخر المدين عن السداد لفترة طويلة نسبياً، بما قد يشير إلى استفادته من انهيار قيمة الليرة السورية، كما يمكن تطبيق نظرية الظروف الطارئة في بعض الحالات، لكنه أشار إلى أن هذا النوع من القضايا والنزاعات المالية يلحِق ضرراً كبيراً بالدائن نتيجة تراجع قيمة الليرة السورية، في حين أن تمسك الطرف الآخر بالعقد، في حال وجوده، يمنحه الحق القانوني في ذلك.
وذكر أنه في العادة تنشأ العديد من الإشكاليات والنزاعات بين الدائن والمدين نتيجة الضرر الكبير الذي قد يلحق بالدائن بسبب انخفاض قيمة العملة المحلية، حيث يتعرض في بعض الحالات لضرر فعلي نتيجة فقدان الليرة السورية لقيمتها، ولا سيما عند الانخفاض الحاد للعملة، بحيث يصبح المبلغ المحصّل وكأنه لم يكن، ما يعرضه لخسارة مالية، وفي المقابل، أشار إلى أن الأمر ذاته قد ينعكس على المدين في حال جرى الوفاء بالقيمة مع احتساب الفارق بين قيمة الدين وقت التعاقد وقيمة السداد.
التعامل القانوني مع الديون المرتبطة بالذهب
وتحدث الحقوقي إسكان لـ "شام" عن بعض الحالات التي يتم فيها الاتفاق على الديون بالذهب بدلاً من الليرة السورية، موضحاً أن القانون يعامل الذهب في هذه الحالة على أساس قاعدة «مقياس قيمة»، أي أنه في حال اتفاق الدائن والمدين على كمية محددة من الذهب، فإن الالتزام يُعد متعلقاً بشيء عيني ومحدد بالذات وليس مبلغاً مالياً، وبناءً عليه، يكون المدين ملزماً برد ذات كمية الذهب المتفق عليها، وليس ما يعادل قيمتها بالليرة السورية وقت السداد، بغض النظر عن قيمة الذهب بالليرة السورية عند الاتفاق أو عند السداد.
وأكد أنه في حال تغيّر سعر الذهب بشكل كبير بين وقت الاتفاق ووقت السداد، فإن الأثر ينعكس على حقوق الدائن والمدين ضمن ما تم الاتفاق عليه بينهما، وأوضح أنه إذا كان الاتفاق على كمية محددة من الذهب، فيجب أن يتم السداد بذات الكمية وبنفس عيار الذهب المتفق عليه، ولا يمكن من حيث المبدأ سداد قيمته النقدية وفق سعر وقت الاتفاق.
وأشار إلى أنه في حال كانت الديون بالذهب، فإن هناك عدداً من الحالات التي تتعامل معها المحاكم. ففي حال كان الدين محدداً بالكمية والنوعية، فإنه يجب سداد الدين بالمثل وفق الاتفاق، حيث تُلزم المحكمة المدين برد الدين بذات الكمية أو بقيمة الذهب وقت الوفاء حصراً.
كما تحدث عن حالة أخرى عندما يرتبط الدفع بالليرة السورية مع ربط ضمني بالذهب، وهو ما يتطلب أن يُنص على ذلك صراحة في الاتفاق، مثل عبارة «ما يعادله من ذهب». وفي هذه الحالة تنظر المحكمة إلى نية أطراف العقد وطريقة صياغته لتحديد الالتزام القانوني.
أهمية الصياغة القانونية الدقيقة للعقود
وأكد أن هذه الحالات تُعد من المسائل التي تستوجب دراسة تفصيلية دقيقة، نظراً لتعدد جوانبها وتنوع الاجتهادات القضائية المتعلقة بها، مشيراً إلى ضرورة صياغة العقود والاتفاقات بشكل مفصل ومن خلال محامين مختصين، تجنباً للنزاعات والإشكاليات والخلافات.
ووجّه نصائح للأشخاص لتجنّب الخلافات القانونية الناتجة عن تغيّر قيمة الدين مع الوقت، من بينها تحديد قيمة الديون في العقود والاتفاقات بشكل واضح ومفصل، وعدم استدانة مبالغ كبيرة لا يمكن سدادها في الوقت المحدد، إلى جانب تحديد آجال قصيرة للسداد، وإمكانية استخدام مؤشر القيمة مثل ربط الدين بالذهب، ومثال ذلك أن يكون الدين معادلاً لـ50 غراماً من الذهب عيار 20 تُدفع قيمتها يوم استحقاق الدين.
وأكد المحامي علي محمد اسكان في ختام حديثه أنه من المهم والضروري أن تُكتب عقود الديون عبر محامين مختصين من ذوي الخبرة، نظراً لما تتضمنه من تفاصيل دقيقة ومهمة تؤثر بشكل مباشر على الحقوق والالتزامات.