الثقة وحدها لا تكفي: لماذا علينا توثيق الديون والعقود في سوريا.. حقوقي يوضح
غالباً ما تنتشر بين الأفراد ممارسات مالية قائمة على الثقة، مثل منح الديون أو إبرام صفقات بيع دون توثيق رسمي، خصوصاً بين الأقارب والأصدقاء، وغالباً ما تتم بعيداً عن الأطر القانونية بدافع الثقة أو الحرج أو الرغبة في الخصوصية، إلا أنها تتحول لاحقاً إلى مصدر نزاعات عند حدوث خلاف أو مطالبة أحد الأطراف بحقوقه.
وفي ظل تزايد هذه الحالات، تبرز أهمية توثيق الديون والعقود بشكل قانوني، لما لذلك من دور أساسي في حماية الحقوق ومنع ضياعها، خاصة في بيئة قانونية تعتمد على الإثبات كركيزة أساسية للفصل في النزاعات المالية.
الإثبات في القانون المدني أساس حماية الحقوق
وفي تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، قال المحامي علي محمد اسكان، محامٍ وباحث في السياق القانوني والحقوقي، إن هذه القضايا تقع ضمن اختصاص القانون المدني السوري، ومن اختصاص محاكم البداية المدنية، ومن خلال القانون المدني يتبين أنه يركز على قاعدة رئيسية وهي مبدأ الإثبات، التي تنص على ((البينة على من ادعى)).
وأضاف أن أقوى وسائل الإثبات هي السندات المكتوبة والموثقة والعقود المكتوبة الموثقة، أو أي سند ورقي آخر مثل إشعارات تحويل الأموال أو حوالات بنكية، ثم يأتي الإقرار، وهو اعتراف المدين بأي طريقة من طرق الإقرار سواء كانت بالإقرار اللفظي أو المكتوب مثل الرسائل أو الإيميل.
وأوضح أن من أبرز المشاكل التي قد يتعرض لها الشخص في حال أعطى مالاً أو أبرم اتفاقاً مالياً دون وجود إثبات أو عقد قانوني هي صعوبة إثبات الحق، حيث إنه ووفق قواعد الإثبات في القانون السوري فإن الأصل في الالتزامات المالية يجب إثباتها بالكتابة، وبدون وجود عقد أو سند يكون من الصعب إثبات الدين أو العقد.
بالإضافة إلى خسارة الدعوى القضائية في حال أنكر المدين المبلغ أو العقد، كما يمكن اعتبار المبلغ هدية أو هبة في حال ادعاء المدين بذلك، وفي حالة العقود غير المكتوبة فمن الصعب إثبات جميع شروط العقد، وبالتالي خسارة الدعوى والحق، كما يمكن أن تضيع الحقوق بالتقادم ومرور الزمن والتعرض للاحتيال.
صعوبة إثبات الديون والاتفاقات غير الموثقة في القانون السوري
وأشار اسكان في حديثه لـ "شام" إلى أن وفق القانون المدني السوري، فإن التعامل مع الديون أو الاتفاقات غير الموثقة يعد من الدعاوى الصعبة، لأن القانون يعتمد بشكل كبير على قضية الإثبات وليس الادعاء، وذلك لأن الأصل أنه لا حق دون دليل، حيث تقول القاعدة إن البينة على من ادعى، وبالتالي فإن المطالبة بالحق تتطلب أدلة ويجب إثبات ذلك الحق، وبدون دليل تكون خسارة الحق هي الأرجح، كما أن عدم وجود عقود وشهود يعني أن الدعوى ضعيفة جداً، وحتى في حالة الشهود فهي غير مجدية في الديون الكبيرة.
ونوّه إلى أنه من الممكن الاستعانة قضائياً بأي وسيلة من وسائل الإثبات، كالرسائل النصية أو الإلكترونية أو اعتراف المدين أو وجود تحويلات مالية، أي إن في حالة الديون غير الموثقة والمكتوبة يقع عبء الإثبات على الدائن، وبدون أدلة يكون موقفه أمام القانون ضعيفاً، أي إن القانون لا ينكر الحق لكنه يطلب إثباته، وإثباته يحتاج إلى دليل مثل الكتابة والعقد الموثق.
وبين أنه في حال تعرض شخص لمثل هذه المشكلة يمكنه اتباع طريق قانوني، لكن ذلك لا يضمن النجاح واكتساب الحق وإعادة ماله واسترجاعه، حيث يمكنه تقديم أي دليل ممكن متوفر لديه وجمع هذه الأدلة مثل (رسائل نصية أو رسائل واتس آب أو أي تطبيق آخر، وحفظها عبر تصوير الشاشة، أو وجود حوالات مالية وإشعاراتها، أو وجود تسجيلات صوتية وشهود لإثبات الواقعة، أو أي دليل آخر، وتوكيل محامٍ لمتابعة القضية).
كما يمكنه البحث عن حل مجتمعي مثل التسوية عن طريق قيادات مجتمعية أو وسطاء محليين، كما يمكن إرسال إنذارات عن طريق الكاتب بالعدل، وفي بعض الحالات يمكن للشخص أن يطلب من المحكمة طلب اليمين الحاسمة للمدعى عليه في حال إقامة دعوى قضائية، وإذا كسب الدعوى، عليه أن يضعها في دائرة التنفيذ لمتابعة تحصيل الحق، لكن بالمجمل، دون وجود أدلة كتابية موثقة، لا يمكن بسهولة تحصيل الحق من الطرف الآخر، حتى قضائياً أو قانونياً.
إثبات الحقوق المالية في القانون السوري
وأكد المحامي علي أن في القانون السوري، إثبات الحقوق المالية، وخصوصاً الديون والعقود، يجب أن يكون بالكتابة بالدرجة الأولى، وذلك وفق القانون المدني السوري، وأهم مبدأ هو أن عبء الإثبات يقع على عاتق الدائن أي الطرف الأول.
وتابع أنه في حال رفع دعوى قضائية، فإن شروط قبول الدعوى تشمل وجود مصلحة قانونية، أي أن يكون هناك ضرر أو امتناع عن رد الحق من قبل الطرف الثاني، والشرط الثاني هو أهلية الخصوم، ومن الشروط الأخرى تحديد المبلغ المطلوب، أي الحق بشكل مفصل، ونوعه، وتاريخه، وكل التفاصيل اللازمة الأخرى.
ومن أهم الأدلة لإثبات الحق، يعتمد القضاء السوري مبدأ حرية القاضي في تقدير الأدلة ضمن حدود القانون، حيث إن أقوى الأدلة هي السندات المكتوبة مثل العقد أو الاتفاق أو إيصالات مالية أو أوراق موقعة من المدين، ومن الأدلة الأخرى الحوالات المالية، ثم يأتي إقرار الطرف الثاني بمبلغ الدين أو بالعقد، ويُعد من أهم الأدلة، وأخيراً شهادة الشهود.
أهمية توثيق الديون والعقود
وقال المحامي علي إنه حسب تجربته في هذه المجالات، تقع أغلب المشاكل المالية غير الموثقة بين الأصدقاء والأقارب وزملاء العمل، وذلك بسبب الثقة الزائدة والخجل وأحياناً السرية والطمع، وأضاف أن من أهم النصائح الواجب تقديمها للجميع هي أن توثيق الديون والعقود قانونياً وكتابياً يعد من أفضل الطرق لحماية الحقوق وتحقيقها لاحقاً.
وأشار إلى ضرورة عدم الاعتماد على الثقة أو الخجل أو المونة، لأن الثقة لا تحمي الحقوق ولا تردها، بالإضافة إلى ضرورة وجود شهود للتوقيع على العقود، وتحديد نوع المبلغ أو العقد بشكل مفصل، وتوثيق هذه العقود لدى الدوائر الرسمية والكاتب بالعدل.
الاحتفاظ بالأدلة وتجنب السرية المالية
ونوّه اسكان إلى أهمية الاحتفاظ بكل الأدلة الممكنة مثل الرسائل والتسجيلات الصوتية والتحويلات المالية وإشعاراتها، بالإضافة إلى نسخ مصدقة من العقود والاتفاقات المالية.
وأكد أن أغلب المشاكل تحدث أيضاً بسبب الرغبة في سرية العلاقات المالية خوفاً من كلام الآخرين، أو الرغبة في عدم معرفة الآخرين بامتلاك المال أو العقارات، وهنا تصبح فرصة ضياع الحق المالي أكبر، لأنها تكون بعيدة عن التوثيق والشهود.
التوثيق الكتابي والحماية القانونية
وشدد المحامي علي محمد اسكان في ختام حديثه على أن النصيحة الأهم هي التوثيق الكتابي للمعاملات المالية الشخصية بغض النظر عن الطرف الثاني، سواء كان قريباً أو صديقاً أو زميلاً في العمل، كما أوصى بأنه في المعاملات المالية العقارية أو المبالغ الكبيرة يفضل استشارة محامٍ موثوق لتنظيم العقود والاتفاقات عن طريقه والاحتفاظ بها لديه لضمان حماية الحق لاحقاً.