التنمر بين الطلاب… أسباب متداخلة وتأثيرات على البيئة الصفية
التنمر بين الطلاب… أسباب متداخلة وتأثيرات على البيئة الصفية
● مجتمع ٢٥ أبريل ٢٠٢٦

التنمر بين الطلاب… أسباب متداخلة وتأثيرات على البيئة الصفية

تشهد المدارس سلوكيات سلبية بين بعض الطلاب، مثل التنمّر والاعتداء والتنابز بالألقاب، وهي ممارسات لا تقتصر آثارها على الضحية فحسب، بل تمتد لتؤثر في المناخ الصفي وتضعف شعور الطلاب بالأمان والاستقرار داخل البيئة التعليمية، ما يثير تساؤلات حول أسباب هذه الظواهر والعوامل التي تسهم في انتشارها، وسبل الحدّ منها وتعزيز السلوك الإيجابي بين الطلاب.

وتتداخل في هذه السلوكيات مجموعة من العوامل المرتبطة بالبيئة الأسرية والمدرسية والمجتمعية، إلى جانب تأثير الأقران ووسائل الإعلام، ما يجعل التعامل معها يتطلب فهماً أعمق لطبيعتها ودوافعها، ودوراً فاعلاً من قبل المعلمين والأهل في الحدّ منها والتخفيف من آثارها.

الإساءة بين الطلاب… أنماط متعددة داخل البيئة المدرسية

وقال الدكتور محمد الحمادي، عميد كلية التربية الثانية في جامعة حلب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن ظاهرة الإساءة، أو ما يُعرف بالتنمر، تشهد انتشاراً ملحوظاً بين طلاب المدارس، وفقاً لإحصاءات دراسات حديثة خلال السنوات الأربع الأخيرة، حيث تتراوح نسبتها بين 30 و40% داخل البيئة المدرسية.

وأضاف أن الإحصاءات والدراسات ذاتها تشير إلى أن ما يقارب نصف الطلاب في العالم تعرّضوا للتنمر مرة واحدة على الأقل خلال مسيرتهم الدراسية، ما يعكس اتساع نطاق هذه الظاهرة وضرورة التعامل معها.

ونوّه إلى أن الإساءة بين الطلاب داخل المدارس تتخذ أشكالاً متعددة، من أبرزها الإساءة الجسدية، مثل الضرب والدفع والركل وإتلاف الممتلكات الخاصة بالطالب، إضافة إلى الإساءة اللفظية أو النفسية، مثل السخرية والشتم وإطلاق الألقاب المهينة والتهديد والتشهير والإهانة والتقليل من القيمة والتخويف.

وأضاف أن أشكال الإساءة تشمل أيضاً الإساءة الاجتماعية (العلائقية)، مثل استبعاد الطالب من الأنشطة وتجاهله وتحريض الآخرين على عدم مصاحبته، إلى جانب الإساءة ذات الطابع الجنسي، مثل التعليقات غير اللائقة والتحرش وأي سلوك يحمل إيحاءات جنسية غير مرغوب فيها.

ما الذي يدفع الطلاب إلى التنمر؟

وأكد الحمادي أن سلوكيات الإساءة أو التنمر لا تظهر من فراغ، بل تكون نتيجة مجموعة أسباب متداخلة مع بعضها بعضا، ومن أبرزها: أسباب أسرية: مثل التفكك الأسري، الصراع والعنف داخل الأسرة، الإهمال، غياب التوجيه الأبوي وممارسة أساليب قمعية والتي منها يتعلم الطالب أن العدوان وسيلة للتعامل.

وأشار لـ "شام" إلى وجود أسباب مجتمعية، تتمثل في غياب الوعي بخطورة العنف والإساءة داخل المدارس بمختلف أشكالهما، وضعف المشاركة المجتمعية في التصدي لهذه الظاهرة، إلى جانب أسباب مدرسية، مثل الثقافة السائدة داخل المدرسة، وتأثير الزملاء، وطبيعة العلاقة بين المعلم والطلاب، لافتاً إلى أن العنف الذي قد يمارسه بعض المعلمين لا يتوقف عند حدود الإذعان، بل قد يدفع إلى ظهور عنف مضاد بين الطلاب.

ونوّه إلى أن محتوى الإعلام والألعاب، وما يتضمنه من تعرض مستمر لمشاهد العنف، قد يجعل هذه السلوكيات تبدو طبيعية أو مقبولة لدى بعض الطلاب، ما يسهم في تعزيز هذه الظاهرة، مضيفاً أن هناك أسباباً أخرى، مثل الرغبة في لفت الانتباه أو إثبات الذات، إذ يلجأ بعض الطلاب إلى العنف والإساءة للشعور بالقوة أو للحصول على اهتمام الآخرين.

وأضاف أن التعرض للتنمر سابقاً قد يحوّل الطالب من ضحية إلى متنمّر، كنوع من الدفاع أو الانتقام، إلى جانب ضعف القدرة على ضبط الانفعالات لدى بعض الطلاب، وما يرافقه من صعوبة في التحكم بالغضب أو الاندفاع، إضافة إلى الشعور بالنقص أو الإحباط، مثل ضعف التحصيل الدراسي أو الغيرة، ما يدفع الطالب إلى تفريغ هذه المشاعر من خلال الإساءة.

تأثيرات التنمر على الصحة النفسية للطلاب

وأوضح الدكتور محمد الحمادي أن الدراسات المتعلقة بالتنمر تشير إلى أنه يخلّف آثاراً نفسية عميقة لدى الضحايا، منها التعرض لمشكلات نفسية وسلوكية على المدى الطويل، كالاكتئاب والشعور بالوحدة والانطواء والقلق والإدمان وإيذاء النفس، إلى جانب تدهور العلاقات الاجتماعية وسوء الظن بالآخرين.

ويزداد انسحاب ضحية التنمر من الأنشطة الاجتماعية داخل الأسرة أو المدرسة، حتى يميل إلى الصمت والعزلة، وقد يدفعه التعرض المستمر للتنمر إلى التفكير بالانتحار، كما يعاني من أعراض جسدية ونفسية، مثل الصداع وآلام المعدة ونوبات الخوف والذعر، إضافة إلى اضطرابات النوم، سواء قلة النوم أو الإفراط فيه.

وذكر أن التنمر لا يسبب ألماً لحظياً فقط، بل يغيّر نظرة الطالب إلى نفسه وإلى الآخرين، إذ تتكوّن لديه أفكار سلبية مثل “أنا فاشل أو قبيح أو غير محبوب”، ما يدفعه إلى تصديق صورة سلبية عن ذاته، الأمر الذي يضعف ثقته بنفسه، ويجعله أكثر ميلاً للخوف أو التجنب، ويعزز شعوره بعدم الأمان، فيبتعد عن المواقف الاجتماعية والأنشطة المدرسية، ما ينعكس سلباً على تكوين شخصية مستقرة وواثقة ومتوازنة اجتماعياً.

وشدّد على أن السلوكيات العدوانية، مثل التنمّر والشتائم والإقصاء الاجتماعي، لا تؤذي الضحية فقط، بل تسهم في خلق مناخ داخل الصف قائم على الخوف والترهيب والصراع، ما يضعف شعور الطلاب بالأمان والانتماء، ويؤثر سلباً على تركيزهم وتعاونهم والتزامهم بالحصة ومشاركتهم في أنشطتها.

دور المعلّم في مواجهة التنمّر واستراتيجيات التدخل التربوي

وأكد الدكتور محمد أن المعلّم يُعد خط الدفاع الأول في مواجهة التنمّر، من خلال بناء علاقة داعمة مع الطلاب، وإدارة الصف بفعالية ووضع قواعد واضحة، وخلق مناخ صفّي آمن وعادل، إلى جانب التدخّل الحازم والمستمر في كل حالة، وتقديم نموذج قائم على الاحترام والإنصاف، مع الاستفادة من التدريب والتعاون مع إدارة المدرسة والأسرة.

ووجّه مجموعة من النصائح للمعلمين للتعامل مع هذه السلوكيات بشكل تربوي فعّال، تمثلت في الانتباه إلى أن التعامل الناجح يجمع بين الوضوح والحزم من جهة، والتعاطف والدعم من جهة أخرى، مع الاهتمام بكل من الضحية والمعتدي ومناخ الصف بشكل عام، إلى جانب العمل على بناء مناخ وقائي من خلال وضع قواعد صفّية مشتركة ترفض السخرية والإقصاء والعنف، تُناقش مع الطلاب ويُعاد التأكيد عليها بشكل مستمر.

وأشار إلى أهمية اعتماد إدارة صف إيجابية تقوم على المتابعة المستمرة وتوضيح التوقعات، وتعزيز السلوك الإيجابي بدلاً من الاعتماد على العقاب، إلى جانب تنفيذ أنشطة تفاعلية تعزّز التعاطف والتعاون وحل النزاعات، مثل التعلم التعاوني والحوار حول مفاهيم الاحترام والاختلاف، بما يسهم في تقوية علاقات الأقران.

ونوّه الدكتور في ختام حديثه لـ "شام" إلى ضرورة التدخل الحازم والداعم عند حدوث الإساءة أو التنمر، مع تجنّب تجاهل الموقف أو الاكتفاء بالنصح العام، لافتاً إلى أن عدم التدخل أو التدخل المتقطّع يسهم في استمرار الظاهرة أو تفاقمها، إلى جانب أهمية دعم الضحية بشكل فردي من خلال الاستماع والتعاطف وتشجيعها على طلب المساعدة، واستثمار المناهج الدراسية في تعزيز وعي الطلاب بموضوع التنمر وآثاره، ونشر قيم التسامح والسلوك الإيجابي.

الكاتب: فريق العمل - سيرين المصطفى
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ