التشهير عبر وسائل التواصل: من سهولة النشر إلى تبعات القانون
التشهير عبر وسائل التواصل: من سهولة النشر إلى تبعات القانون
● مجتمع ٧ يوليو ٢٠٢٦

التشهير عبر وسائل التواصل: من سهولة النشر إلى تبعات القانون

تُعدّ قضايا التشهير من الموضوعات التي تثير نقاشاً متزايداً، خاصة في ظل توسّع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وما أتاحته من سهولة في النشر والتداول، ومع هذا الانتشار، باتت الحدود بين حرية التعبير والتعدي على سمعة الآخرين محل تساؤل، في ظل تباين الفهم القانوني لدى الأفراد، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات قانونية.

وفي هذا السياق، يرتبط ازدياد الحديث عن دعاوى التشهير بجملة من العوامل المتداخلة، من أبرزها سرعة تداول المعلومات دون التحقق من صحتها، إضافة إلى تصاعد الخلافات الشخصية التي قد تنتقل من نطاقها الضيق إلى العلن، كما يبرز دور ضعف الوعي القانوني في عدم إدراك الحدود الفاصلة بين إبداء الرأي وتوجيه الاتهام.

الإطار القانوني لدعاوى التشهير

وفي هذا الإطار، قالت المحامية رقية إبراهيم في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن مصطلح “التشهير” يُقسّم إلى الذم والقدح والتحقير، ويمكن تعريفه بأنه إسناد واقعة أو توجيه قول أو نشر خبر عن شخص يؤدي إلى المساس بشرفه أو كرامته أو سمعته أمام الغير.

وأضافت أن الفرق بين التشهير وحرية التعبير يكمن في أن حرية التعبير تسمح بانتقاد الأشخاص والأعمال والقرارات، بينما يبدأ التشهير عندما تتحول الآراء إلى اتهامات واقعية تمس الشرف وتُقدَّم على أنها حقيقة غير صحيحة.

وأشارت إلى أن الأفعال التي تُعد تشهيراً، خصوصاً عبر الإنترنت، تشمل ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثل نشر منشور يتهم شخصاً بالسرقة أو الاحتيال دون دليل، أو نشر فيديو أو بث مباشر يتضمن اتهامات تمس السمعة، أو كتابة تعليق عام يربط شخصاً بجريمة دون إثبات، أو إعادة نشر محتوى تشهيري مع العلم بأنه كاذب، إضافة إلى التقييمات أو المنشورات التي تسيء لسمعة شخص أو شركة بشكل غير صحيح.

ونوهت إلى أنه يحق للمتضرر رفع دعوى تشهير في سوريا عند توفر مجموعة من الشروط، منها وجود واقعة محددة منسوبة لشخص، وأن تكون هذه الواقعة مسيئة للسمعة أو الشرف، وأن يتم نشرها للآخرين سواء بشكل علني أو إلكتروني، وأن تكون كاذبة أو غير مثبتة في كثير من الحالات، إضافة إلى وجود نية الإساءة أو عدم وجود مصلحة عامة.

وبيّنت أن القضاء السوري يقبل عدة أنواع من الأدلة في قضايا التشهير، من بينها الأدلة الرقمية مثل صور الشاشة للمنشورات، وروابط المنشورات، والتسجيلات الصوتية أو المرئية، ومحادثات واتساب أو فيسبوك، إلى جانب الأدلة التقليدية كأقوال الشهود، وتقارير الخبراء لإثبات الحساب أو النشر، ومحاضر الشرطة أو الضبوط الرسمية.

ولفتت إلى أن العقوبات في جرائم التشهير تختلف بحسب نوع الجريمة، حيث إن الذم، وهو إسناد واقعة تمس الشرف، قد يعاقب عليه بالحبس أو الغرامة، بينما يُعد القدح، وهو الإهانة المباشرة، أقل من حيث العقوبة غالباً من الذم، أما التحقير، وهو الإهانة المباشرة أو اللفظية، فقد يؤدي إلى الحبس لفترات قصيرة أو الغرامة.

وذكرت أن الفرق بين النقد المشروع والتشهير يتمثل في أن النقد المشروع يعتمد على الرأي ولا يتضمن اتهاماً بوقائع غير مثبتة، ويكون مرتبطاً بعمل أو خدمة، مثل القول إن “الخدمة سيئة” أو “الأداء ضعيف”، في حين أن التشهير يتضمن اتهاماً يُقدَّم على أنه حقيقة، ويذكر أفعالاً مثل السرقة أو الفساد دون دليل، ويضر بشخص محدد ويمكن التحقق من كذبه.

وتحدثت عن قاعدة عامة في هذا السياق مفادها أن الرأي لا يُعاقب عليه، لكن الادعاء الكاذب يُعاقب عليه، وأوضحت مجموعة من النصائح لتجنب الوقوع في قضايا التشهير في سوريا، من بينها عدم نشر اتهامات دون دليل، والتفريق بين الرأي والحقيقة، وتجنب ذكر الأسماء في حالات الغضب، وعدم الاعتماد على الشائعات.

كما أشارت إلى ضرورة عدم إعادة نشر محتوى مجهول المصدر، واستخدام لغة نقدية بدلاً من لغة اتهامية، إضافة إلى استشارة قانونية قبل النشر في القضايا الحساسة.

القانون رقم 20 لعام 2022: تجريم الأفعال الإلكترونية وآليات الملاحقة

وفي سياق متصل، قال المحامي محمد هيثم فريجة في تصريح سابق لـ شام، إن القانون رقم 20 لعام 2022، لم يضع تعريفاً واحداً جامعاً للجريمة المعلوماتية، وإنما عرّف عدداً من المصطلحات مثل النظام المعلوماتي، والشبكة، والبيانات المعلوماتية، والموقع الإلكتروني، والحساب الإلكتروني، ثم جرّم كل فعل يُرتكب باستخدام هذه الوسائل أو يستهدفها.

وأضاف أن من أبرز الجرائم التي نص عليها القانون: الدخول غير المشروع إلى نظام معلوماتي أو موقع إلكتروني، واختراق الحسابات الإلكترونية، واعتراض البيانات أو الاتصالات الإلكترونية، وحذف أو تعديل أو إتلاف البيانات، وتعطيل المواقع والأنظمة، وانتحال الشخصية الإلكترونية، والاحتيال الإلكتروني، والابتزاز الإلكتروني، ونشر المحتوى المخالف للقانون، والاعتداء على الخصوصية، والتشهير والذم والقدح عبر الوسائل الإلكترونية.

وذكر أن التشهير الإلكتروني، في حال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو المواقع الإلكترونية للمساس بسمعة شخص أو كرامته أو اعتباره، يعرّض الفاعل للعقوبات المنصوص عليها في القانون رقم 20 لعام 2022، إضافة إلى التعويض المدني عند الاقتضاء.

وتحدث عن جرائم القدح والذم والتحقير الإلكتروني، موضحاً أن القانون السوري يعتبرها جرائم معاقباً عليها إذا ارتكبت عبر فيسبوك، وواتساب، وتلغرام، وإنستغرام، وإكس (تويتر سابقاً)، أو عبر المواقع الإلكترونية أو أي وسيلة معلوماتية، ويكفي أن يتضمن المنشور أو الرسالة عبارات تمس شرف المجني عليه أو اعتباره.

وأوضح أن إثبات هذه الجرائم أمام القضاء يعتمد على وسائل الإثبات الرقمية مثل لقطات الشاشة، والروابط الإلكترونية، وبيانات الحساب، وتقارير الخبرة الفنية، واستخراج البيانات من مزود الخدمة، والضبوط المنظمة من الجهات المختصة، إضافة إلى الشهادة والقرائن، مشدداً على ضرورة أن تكون الأدلة قد جُمعت بصورة قانونية حتى تكون منتجة أمام القضاء.

وأكد أن القانون يعاقب على التلاعب بالصور أو التسجيلات الصوتية، بما في ذلك تركيب الصور، وتعديل الفيديوهات، وفبركة التسجيلات، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتغيير المحتوى، ونشر صور خاصة دون موافقة أصحابها، أو نشر التسجيلات بقصد الإساءة أو الابتزاز أو التشهير.

وشدد على أنه قد تتعدد الجرائم في الواقعة الواحدة، فتقوم مثلاً جرائم انتهاك الخصوصية، والتشهير، والابتزاز، وانتحال الشخصية، وإساءة استعمال الوسائل المعلوماتية، ويحق للمتضرر المطالبة بإزالة المحتوى والتعويض عن الضرر.

وذكر المحامي محمد أن الآليات القانونية لملاحقة مرتكبي الجرائم الإلكترونية تبقى ممكنة رغم استخدام الحسابات الوهمية، وذلك من خلال تقديم شكوى إلى النيابة العامة المختصة، وتكليف فرع مكافحة الجرائم المعلوماتية بإجراء التحريات الفنية، وتتبع عنوان IP، ومخاطبة شركات الاتصالات، وطلب البيانات من مزودي الخدمة وفق الأصول القانونية، والاستعانة بالخبرة الفنية الرقمية، والتعاون القضائي الدولي إذا كان الفاعل خارج سورية، مؤكداً أن استخدام اسم مستعار أو حساب وهمي لا يعني استحالة الوصول إلى الفاعل.

وفي جانب آخر، تمتد آثار قضايا التشهير إلى أبعاد اجتماعية ونفسية قد تكون عميقة على الأفراد المستهدفين، إذ إن المساس بالسمعة، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد يؤدي إلى الإضرار بالعلاقات الاجتماعية والمهنية، ويضع الشخص في موضع شك أو إدانة أمام محيطه، حتى قبل التحقق من صحة ما يُنشر.

كما يمكن أن ينعكس ذلك على الحالة النفسية للمتضرر، من خلال الشعور بالضغط أو القلق أو العزلة، نتيجة انتشار المحتوى المسيء وصعوبة احتوائه أو تصحيحه في الفضاء الرقمي، وتبرز هذه التأثيرات بشكل أكبر مع سرعة تداول المعلومات واتساع نطاق انتشارها، ما يجعل من معالجة آثار التشهير أمراً لا يقتصر على الجانب القانوني فقط، بل يتطلب وعياً مجتمعياً بمسؤولية النشر وأثره على الآخرين.

وتبقى قضايا التشهير من الملفات التي تتداخل فيها الجوانب القانونية مع التحولات المرتبطة بوسائل التواصل وأنماط النشر الحديثة، ومع تنوع الحالات واختلاف سياقاتها، يستمر التعامل مع هذه القضايا ضمن أطر قانونية واجتماعية متشابكة، في ظل الحاجة إلى فهم أوضح للحدود الفاصلة بين حرية التعبير والمسؤولية القانونية، وما يرافق ذلك من آثار تمتد إلى مستويات متعددة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ