التربية الإعلامية في المدارس.. خبيرة توضح دور الأسرة والمعلمين
يتعرض الطلاب يومياً لكميات كبيرة من المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، تتفاوت في دقتها وموثوقيتها، ما يجعل القدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة والتحقق من مصادرها مهارة أساسية للتعامل مع المحتوى الرقمي، وتجنب تبني أفكار خاطئة أو تداول أخبار غير موثوقة.
وتبرز في هذا السياق أهمية التربية الإعلامية في تنمية التفكير النقدي لدى الطلاب، وتعليمهم كيفية تقييم المعلومات وتحليل الرسائل الإعلامية، إلى جانب دور المدرسة والأسرة في ترسيخ عادات الاستخدام الواعي والمسؤول للمنصات الرقمية.
وفي حديث لشبكة شام الإخبارية، أكدت المتخصصة في مجال التربية الخاصة والصحة النفسية آمنة الإسماعيل أن مواجهة المعلومات المضللة تبدأ بتعليم الطلاب التحقق قبل التصديق أو المشاركة، مشيرة إلى أن امتلاك هذه المهارة يساعدهم على بناء مواقف قائمة على الفهم والتحليل بدلاً من الاعتماد على المعلومات المتداولة دون فحص.
كيف يميز الطلاب المعلومات الموثوقة من المضللة؟
أوضحت الإسماعيل أن تقييم المعلومات يبدأ بالتحقق من مصدرها، ومعرفة ما إذا كانت الجهة الناشرة معروفة ومتخصصة ولديها سجل من الدقة والمصداقية.
وأضافت أن على الطالب الانتباه إلى هوية الكاتب وخبرته في الموضوع، وتاريخ نشر المحتوى، خصوصاً أن بعض المعلومات القديمة يعاد تداولها خارج سياقها الزمني، ما قد يؤدي إلى فهمها بصورة خاطئة.
وأشارت إلى أن لغة المحتوى تمثل مؤشراً مهماً على موثوقيته، إذ تستدعي العناوين المبالغ فيها، وكثرة علامات التعجب، والعبارات العاطفية الحادة مزيداً من التدقيق قبل اعتماد المعلومات الواردة فيها.
وشددت على ضرورة مقارنة الخبر بمصادر مستقلة وموثوقة، والتمييز بين النصوص التي تقدم وقائع ومعلومات وتلك التي تعبر عن آراء شخصية.
كما لفتت إلى أهمية التحقق من الصور ومقاطع الفيديو، نظراً إلى إمكانية اقتطاعها من سياقها الأصلي أو تعديلها بما يؤدي إلى تقديم معلومات مضللة.
وأكدت أن التحقق المتقاطع يمثل المهارة الأساسية في هذا المجال، موضحة أن وجود الخبر في أكثر من موقع لا يكفي لإثبات صحته إذا كانت جميع المواقع تنقله عن مصدر واحد دون تحقق مستقل.
كيف تؤثر المعلومات المضللة في تفكير الطلاب وسلوكهم؟
بيّنت الإسماعيل أن تأثير المعلومات المضللة يتجاوز تقديم حقائق غير صحيحة، إذ يمكن أن يمتد إلى طريقة تفكير الطالب وتكوين مواقفه وتعامله مع الآخرين.
وأوضحت أن الاعتماد المتكرر على معلومات غير موثوقة قد يضعف قدرة الطالب على التمييز بين الحقيقة والرأي، ويجعله أكثر ميلاً إلى الاستنتاجات السريعة، وأقل استعداداً للتساؤل والتحليل وفحص الأدلة.
وأضافت أن تكرار التعرض لهذا النوع من المحتوى قد يدفع الطالب إلى الاعتماد على المعلومات الجاهزة بدلاً من ممارسة التفكير النقدي، بما يؤثر في قدرته على تقييم القضايا والمواقف بصورة مستقلة.
وعلى مستوى المواقف، أشارت إلى أن المعلومات المضللة قد تسهم في تشكيل أحكام مسبقة أو مواقف متطرفة تجاه أشخاص أو مجموعات وقضايا مختلفة، دون الاستناد إلى معلومات صحيحة، ما يزيد قابلية الطالب للتأثر بالاستقطاب.
أما على المستوى السلوكي، فحذرت من أن مشاركة محتوى مضلل قد تعرض الطالب لمساءلة اجتماعية أو قانونية، أو تجعله مشاركاً دون قصد في نشر الشائعات وخطاب الكراهية.
ولفتت إلى أن الاعتياد على تداول الشائعات قد يؤدي إلى فقدان الثقة بالمعلومات عموماً، بحيث ينتقل الطالب من تصديق كل ما يتلقاه إلى التشكيك المطلق، دون امتلاك أدوات مناسبة للتحقق.
دور المعلم في تنمية التفكير النقدي
أكدت الإسماعيل أن دور المعلم لا يقتصر على تقديم الإجابات الصحيحة، وإنما يشمل تدريب الطلاب على طرح الأسئلة التي تساعدهم على فحص المعلومات وفهم السياق الذي تقدم فيه.
وأوضحت أن من الممارسات التربوية الفعالة استخدام استراتيجية السؤال، من خلال تشجيع الطالب على التساؤل عن مصدر المعلومة، والجهة التي نشرتها، وأسباب نشرها، والمصلحة المحتملة وراءها، والمعلومات التي قد تكون غائبة عن المحتوى.
وأضافت أن تحليل النصوص الإعلامية داخل الصف يساعد الطلاب على التمييز بين العناوين والمعلومات، وبين الحقائق والآراء، وفهم كيفية صياغة الرسائل الإعلامية.
كما أشارت إلى أهمية المشاريع البحثية التي يُكلف فيها الطالب بالتحقق من خبر متداول بالاعتماد على مصادر مستقلة، إلى جانب المناقشات الصفية التي تتيح فحص الآراء والأدلة بدلاً من الاكتفاء بتلقيها.
وبيّنت أن المعلم يستطيع تعزيز هذه المهارات من خلال النمذجة العملية، عندما يوضح أمام طلابه خطوات التحقق من معلومة، بما يجعل سلوكه نموذجاً تعليمياً يمكنهم اتباعه.
وشددت على أهمية تشجيع الشك المنهجي، موضحة أنه لا يعني رفض المعلومات أو التشكيك في كل شيء، وإنما عدم قبول الادعاءات دون أدلة كافية.
دمج التربية الإعلامية في المناهج الدراسية
رأت الإسماعيل أن تعزيز التربية الإعلامية لا يتطلب بالضرورة الاكتفاء بإضافة مادة دراسية مستقلة، وإنما يستدعي دمج مهاراتها ضمن المناهج والأنشطة التعليمية القائمة.
وأوضحت أنه يمكن في مادة اللغة العربية تدريب الطلاب على تحليل النصوص الإعلامية والتمييز بين أساليب عرض المعلومات والآراء.
وفي المواد العلمية، يمكن تعليمهم كيفية قراءة نتائج الأبحاث والتمييز بين الادعاءات العلمية المدعومة بالأدلة والمعلومات الزائفة.
أما في مواد الاجتماعيات، فيمكن تناول قضايا إعلامية متداولة ومناقشتها داخل الصف، بما يساعد الطلاب على فهم اختلاف وجهات النظر وتقييم المعلومات المرتبطة بها.
وأكدت أن دمج هذه المهارات في المواد الدراسية يتيح للطلاب ممارستها في سياقات متنوعة، ويعزز قدرتهم على استخدامها خارج البيئة المدرسية.
الأسرة والمدرسة شريكتان في التربية الرقمية
أوضحت الإسماعيل أن المدرسة والأسرة تؤديان دورين متكاملين في تنمية الوعي الإعلامي لدى الطلاب، إذ تتولى المدرسة تعليم المهارات الأساسية، بينما توفر الأسرة فرص ممارستها بصورة يومية.
وأشارت إلى أهمية وضع قواعد أسرية واضحة للاستخدام الرقمي، من خلال اتفاقات تحدد أساليب التعامل مع الأجهزة والمنصات والمحتوى المتداول.
وشددت على أن الحوار اليومي مع الأبناء حول ما يشاهدونه على الشاشات أكثر فائدة من الاكتفاء بالمنع، لأنه يساعدهم على مناقشة المعلومات وفهم أسباب صحتها أو عدم موثوقيتها.
ولفتت إلى أهمية القدوة الأسرية، موضحة أن تحقق الوالدين من الأخبار قبل مشاركتها يشجع الأبناء على اكتساب السلوك نفسه.
كما دعت إلى تعزيز التواصل المستمر بين المدرسة والأسرة لمتابعة المحتوى الذي يتعرض له الطلاب، وتنظيم ورش توعوية للأهالي حول التربية الرقمية وأساليب حماية الأبناء من المعلومات المضللة.
مهارات أساسية للاستخدام المسؤول للإنترنت
حددت الإسماعيل مجموعة من المهارات التي ينبغي أن يكتسبها الطلاب للتعامل الآمن والمسؤول مع البيئة الرقمية، وفي مقدمتها التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها أو مشاركتها مع الآخرين.
وتشمل هذه المهارات حماية البيانات الشخصية، والتمييز بين الخبر والرأي، والانتباه إلى المحتوى الذي يتضمن معلومات مضللة أو خطاب كراهية.
وأكدت أهمية تعليم الطلاب كيفية التصرف عند مواجهة محتوى مؤذٍ، من خلال الإبلاغ عنه بدلاً من إعادة نشره أو المشاركة في تداوله.
كما أشارت إلى ضرورة تنمية مهارات إدارة الوقت الرقمي، وتحقيق التوازن بين استخدام الإنترنت والأنشطة المرتبطة بالحياة اليومية.
وتبقى تنمية التربية الإعلامية لدى الطلاب مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة، تقوم على تعزيز التفكير النقدي وتوفير فرص عملية للتحقق من المعلومات، بما يساعدهم على التعامل مع المحتوى الرقمي بوعي ومسؤولية، والحد من تأثير الأخبار المضللة والشائعات في أفكارهم ومواقفهم وسلوكهم.