اتفاقيات تنموية مع السعودية تتجاوز 403 ملايين دولار.. خبير لـ«شام» يوضح انعكاساتها الاقتصادية
اتفاقيات تنموية مع السعودية تتجاوز 403 ملايين دولار.. خبير لـ«شام» يوضح انعكاساتها الاقتصادية
● اقتصاد ٥ نوفمبر ٢٠٢٦

اتفاقيات تنموية مع السعودية تتجاوز 403 ملايين دولار.. خبير لـ«شام» يوضح انعكاساتها الاقتصادية

وقعت وزارة المالية السورية ست اتفاقيات قروض تنموية ميسرة مع الصندوق السعودي للتنمية، بقيمة إجمالية تتجاوز 403 ملايين دولار، لتمويل مشاريع في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والإسكان والطوارئ، إلى جانب تطوير الخدمات المالية الحكومية والتحول الرقمي، في خطوة تستهدف إعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية.

وفي قراءة اقتصادية لهذه الاتفاقيات، أكد الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور ياسر الحسين، في حديث لشبكة شام الإخبارية، أن أهمية التمويلات تتجاوز تنفيذ المشاريع الخدمية إلى معالجة الاختناقات التي تواجه النشاط الإنتاجي، مشيراً إلى أن نجاحها يرتبط بكفاءة التنفيذ واستدامة التشغيل وقدرتها على تحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية.

تفاصيل الاتفاقيات والمشاريع المستهدفة

جرى توقيع الاتفاقيات في العاصمة السعودية الرياض، على هامش زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية، وبحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.

ووقع الاتفاقيات عن الجانب السوري وزير المالية محمد يسر برنية، وعن الجانب السعودي الرئيس التنفيذي للصندوق السعودي للتنمية سلطان بن عبدالرحمن المرشد.

وتشمل الاتفاقيات تخصيص 90 مليون دولار لإعادة تأهيل وحدات التوليد في محطة حلب الحرارية، بهدف استعادة قدرتها على إنتاج الكهرباء وتوفير الخدمة لنحو خمسة ملايين نسمة.

كما خُصص 30 مليون دولار لتحديث منظومة قياس مياه الشرب، عبر توريد وتركيب 300 ألف عداد مياه ذكي مسبق الدفع في مختلف المحافظات، بما يخدم نحو 1.5 مليون نسمة.

وفي قطاع الطوارئ، تتضمن الاتفاقيات تمويلاً بقيمة 105 ملايين دولار لإنشاء وإعادة تأهيل وتجهيز 25 مركزاً للدفاع المدني، بهدف تعزيز الاستجابة للكوارث وإزالة الأنقاض والألغام وفتح الطرق والأراضي الزراعية، ليستفيد من المشروع أكثر من سبعة ملايين نسمة.

وتشمل المشاريع أيضاً تخصيص 60 مليون دولار لإعادة تأهيل ما يصل إلى عشرة آلاف وحدة سكنية متضررة، و100 مليون دولار لإعادة تأهيل وإنشاء وتجهيز مستشفيات ومراكز صحية، بما يسهم في تحسين الخدمات الصحية وتوسيع نطاق الوصول إليها.

إضافة إلى ذلك، خُصص أكثر من 18 مليون دولار لمشروع التحول الرقمي والتطوير المؤسسي للخدمات المالية الحكومية، بهدف رفع كفاءة الإدارة المالية وتعزيز الشفافية وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين.

التمويل مدخل لمعالجة الاختناقات الإنتاجية

قال الخبير الاقتصادي ياسر الحسين، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن الاتفاقيات تمثل تطوراً اقتصادياً مهماً في مسار التعافي السوري، موضحاً أن قيمتها لا تقتصر على تمويل مشاريع خدمية، وإنما تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية واستعادة قدرة الاقتصاد على الإنتاج وتقديم الخدمات.

وبيّن أن أهمية التمويلات تنبع من استهداف قطاعات مترابطة تشكل أساساً لعودة النشاط الاقتصادي، وفي مقدمتها الكهرباء التي تمثل أحد المدخلات الرئيسية للإنتاج الصناعي والتجاري.

وأوضح أن إعادة تأهيل محطة حلب الحرارية يمكن أن تسهم في تحسين موثوقية الإمدادات الكهربائية، وتخفيف الاختناقات التي تواجه المنشآت الإنتاجية، والحد من الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة مرتفعة التكلفة.

وأشار إلى أن الأثر الاقتصادي يمتد إلى قطاعات المياه والإسكان والصحة والطوارئ، نظراً إلى ارتباطها باستقرار المجتمع وتحسين بيئة الاستثمار والإنتاج.

وأضاف أن إعادة تأهيل المساكن تساعد على تحسين الظروف المعيشية وعودة السكان إلى مناطقهم، فيما يسهم تطوير المنشآت الصحية في استعادة الخدمات الأساسية وتعزيز إنتاجية المجتمع.

وفي قطاع المياه، اعتبر الحسين أن تركيب 300 ألف عداد ذكي يمكن أن يحسن إدارة الموارد المائية ويحد من الفاقد ويرفع كفاءة التحصيل، شريطة أن يترافق مع إصلاحات مؤسسية وتشغيلية تضمن الاستفادة من التقنيات الجديدة.

التحول الرقمي وتحسين الإدارة المالية

أوضح الحسين أن تخصيص أكثر من 18 مليون دولار لتطوير الخدمات المالية الحكومية يحمل أهمية تتجاوز أتمتة الإجراءات الإدارية.

وأشار إلى أن المشروع يمكن أن يسهم في تحسين إدارة الإيرادات والنفقات العامة، وتعزيز الرقابة والشفافية، ورفع كفاءة التحصيل الضريبي، وتطوير الخدمات المقدمة للمكلفين.

واعتبر أن تطوير الإدارة المالية الحكومية يمثل أحد الجوانب المهمة في استعادة الثقة بالمؤسسات العامة، من خلال تحسين كفاءة الخدمات والإجراءات المرتبطة بها.

انعكاسات متوقعة على فرص العمل والنشاط الاقتصادي

أشار الحسين إلى أن تنفيذ المشاريع المشمولة بالاتفاقيات يمكن أن يولد آثاراً اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، من خلال زيادة الطلب على مواد البناء والمعدات والعمالة والخدمات الهندسية والنقل.

وأوضح أن أعمال الإنشاء والتأهيل والتجهيز قد تتيح فرصاً لتنشيط قطاعات اقتصادية متعددة، وتفتح المجال أمام الشركات والمنشآت السورية للمشاركة في تنفيذ المشاريع.

وبيّن أن الأثر الأهم على المدى الطويل يتمثل في تحسين البنية التحتية وتخفيض تكاليف ممارسة الأعمال، بما يساعد على رفع إنتاجية المنشآت وتشجيع الاستثمار وعودة النشاط الاقتصادي.

وشدد على ضرورة التمييز بين الأثر المؤقت للإنفاق خلال تنفيذ المشاريع، والأثر الإنتاجي المستدام الذي يتحقق عند إعادة الأصول والمنشآت إلى العمل واستمرار تقديم خدماتها.

القروض الميسرة والالتزامات المالية المستقبلية

لفت الحسين إلى أن الاتفاقيات الموقعة مع الصندوق السعودي للتنمية تتعلق بقروض تنموية ميسرة وليست منحاً مجانية، ما يعني أنها ترتب التزامات مالية مستقبلية على الدولة السورية.

وأوضح أن الاقتراض لا يمثل بالضرورة عبئاً اقتصادياً إذا جرى توجيهه إلى مشاريع تحقق عوائد اقتصادية واجتماعية تتجاوز تكلفة التمويل.

وأكد أهمية معرفة الشروط التفصيلية للقروض، بما يشمل أسعار الفائدة وآجال السداد وفترات السماح، إلى جانب إدارة الدين العام بصورة دقيقة تضمن استدامة الالتزامات المالية.

ودعا إلى إعداد دراسات جدوى اقتصادية وفنية لكل مشروع، والتأكد من توافر المخصصات اللازمة للتشغيل والصيانة بعد انتهاء أعمال التأهيل، تجنباً لتحول المنشآت المعاد بناؤها إلى أصول مكلفة وغير مستثمرة.

كما شدد على ضرورة اعتماد مؤشرات أداء واضحة، وضمان الشفافية في التعاقد والإنفاق، ومتابعة نسب الإنجاز والالتزام بالجداول الزمنية والتكاليف المعتمدة.

وأضاف أن تقييم نجاح المشاريع يجب أن يستند إلى نتائجها الفعلية، سواء من حيث الطاقة الكهربائية المضافة، أو تحسن الخدمات الأساسية، أو فرص العمل التي توفرها.

من إعادة تأهيل البنية التحتية إلى استعادة الإنتاج

أكد الحسين أن الاتفاقيات السعودية تمثل خطوة إيجابية في مسار التعافي الاقتصادي السوري، لكنها لا تشكل بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي، ولا تكفي بمفردها لمعالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد.

وأوضح أن هذه التمويلات ينبغي أن تكون جزءاً من رؤية وطنية متكاملة، تنتقل تدريجياً من إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية إلى استعادة القدرة الإنتاجية، ولا سيما في قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة والنقل.

وشدد على أهمية توسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، واستقطاب الاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية، وتوفير بيئة تشريعية ومؤسسية مستقرة.

وأشار إلى أن هذه المتطلبات تساعد على توجيه التمويلات نحو مشاريع تسهم في خلق فرص العمل وزيادة الدخل والصادرات، بما يعزز قدرة الاقتصاد السوري على تحقيق نمو مستدام.

واعتبر الحسين أن المعيار الحقيقي لنجاح الاتفاقيات لا يتمثل في حجم التمويل الموقع، وإنما في حجم الأصول الإنتاجية والخدمية التي ستعود إلى العمل، والأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي ستحققه.

وختم بالتأكيد على أن التحدي الأساسي يكمن في تحويل البنية التحتية إلى رافعة للنمو والاستثمار، والانتقال من تمويل إعادة التأهيل إلى إعادة بناء القاعدة الإنتاجية، بما يدعم استعادة النشاط الاقتصادي وتعزيز استدامة التعافي في سوريا.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ