الأضحية في عيد الأضحى: طقس ديني يعكس التكافل الاجتماعي
حلّ عيد الأضحى المبارك حاملاً معه أجواء الفرح ومشاعر السرور بين الناس الذين بدأوا بأداء طقوسه الدينية والاجتماعية المتنوعة، وفي مقدمتها ذبح الأضاحي وتوزيعها على الٱخرين، والتي تُعدّ من أبرز الشعائر في هذه المناسبة لما تحمله من دلالات دينية وإنسانية.
وفي سوريا، كما هو الحال في العديد من المجتمعات، يحرص الأهالي على ذبح أضحية العيد في بلدهم وبين أقاربهم، إذ تحضر العائلة والجيران والأصدقاء عملية النحر، ويشاركون المضحي هذه الشعيرة، ويتبادلون التهاني في أجواء اجتماعية مملوءة بالمحبة خلال أيام العيد.
والأضحية هي من الماشية كالغنم والإبل والأبقار، حيث تُذبح خلال أيام عيد الأضحى تقرّباً إلى الله سبحانه وتعالى، ويبدأ وقت ذبحها بعد انتهاء الإمام من أداء صلاة العيد، ويمتد طوال أيام التشريق، أي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر وحتى عصر اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة.
وتعد سُنّة مؤكدة يُكره تركها عند توافر القدرة عليها، ويعود أصلها الديني والتاريخي إلى قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، حين رأى في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بأمر من الله عز وجل، فأخبره بذلك فاستجاب ابنه ووافق على الامتثال لأمر الله، وعندما همّ نبي الله إبراهيم بتنفيذ الرؤيا، فداه الله بذبحٍ عظيم، إذ أرسل له كبشاً ليذبحه بدلاً من ابنه إسماعيل.
وتتضمن الأضحية مواصفات وشروطاً أساسية يجب توفرها، إذ يجب أن تكون من بهيمة الأنعام حصراً، وتشمل الغنم بنوعيها الضأن والماعز، أو الإبل، أو الأبقار بما فيها الجاموس، كما يشترط في عمرها أن يبلغ الضأن ستة أشهر على الأقل، وأن يكون عمر الماعز سنة على الأقل عند بعض الفقهاء، فيما يرى آخرون اشتراط سنتين، أما الإبل فيجب أن تبلغ خمس سنوات فأكثر، في حين يشترط في البقر والجاموس أن تبلغ سنتين فأكثر.
كما يجب أن تكون الأضحية سليمة من العيوب، فلا تكون عوراء أو عمياء أو عرجاء أو مريضة أو هزيلة، وألا يكون فيها نقص ظاهر مثل قطع في الأذن أو الرجل أو كسر في القرون أو أي عيب يؤثر على سلامتها.
ولا تقتصر الشروط على الأضحية فقط، بل تشمل أيضاً المضحي، حيث يجب أن يكون مسلماً، وأن يكون بالغاً على القول الراجح، إضافة إلى توافر القدرة المالية لديه، كما يُسنّ للمضحي أن يذبح الأضحية بنفسه، لكن إن لم يستطع يمكنه أن يوكل غيره، ويُفضَّل أن يحضر عملية الذبح وأن يقول الدعاء المشروع.
ويُستحب أن يقول المضحي: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا من المسلمين، بسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك، اللهم تقبله مني (أو عن فلان) كما تقبلته من إبراهيم خليلك ومحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيك ورسولك.
وفيما يتعلق بتوزيع لحم الأضاحي، يُقسَّم شرعاً إلى ثلاثة أقسام: ثلث للمضحي وأهل بيته، وثلث يُهدى للأقارب، وثلث يُتصدّق به على الفقراء، ويجوز إعطاء لحم الأضحية لغير المسلمين إذا كانوا جيراناً أو فقراء أو من ذوي القربى، بشرط ألا يكونوا من أهل الحرب.
أحياناً تكون الأضحية لشخص واحد، وقد يشترك فيها أكثر من شخص، إذ يجوز اشتراك سبعة أشخاص في الأضحية إذا كانت من الإبل أو البقر، أما إذا كانت شاة فتجزئ عن شخص واحد وأهل بيته.
يبيّن الفقهاء أنه لا يجوز للمضحي أن يشتري الأضحية من أموال الزكاة، كون الأضحية عبادة قائمة بذاتها ولا تدخل ضمن مصارف الزكاة الشرعية. كما يؤكدون على عدم جواز التصرف في أي جزء منها بالبيع، سواء كان اللحم أو الجلد أو غير ذلك من الأجزاء.
كما يوضحون جواز الانتفاع من الأضحية بالأكل والتوزيع والادخار، استناداً إلى قول النبي ﷺ: «كلوا وأطعموا وادخروا»، وفي السياق ذاته، ينبهون إلى أنه لا يجوز إعطاء الجزار جزءاً من الأضحية مقابل أجرته، سواء من اللحم أو الجلد، بينما يمكن منحه شيئاً منها لاحقاً على سبيل الإكرام أو الهدية بعد استيفاء أجره المتفق عليه.
اعتاد الأهالي في سوريا حضور ذبح الأضاحي أو الأضحية التي تُذبح نيابة عن ذويهم المتوفين، وتوزيعها بأنفسهم، لكن وبسبب الظروف التي مرّت بها البلاد خلال سنوات الثورة السورية وما رافقها من نزوح وشتات، طرأت تغييرات على هذه العادة، حيث أصبح بعض الأشخاص يضطرون إلى ذبح الأضحية في البلدان التي يقيمون فيها، أو التواصل مع أهاليهم داخل البلاد وإرسال المال لتوكيلهم بالذبح والتوزيع نيابة عنهم.
ويعكس حرص العوائل السورية على تأدية شعيرة الأضحية تمسّكها بالعادات والتقاليد الدينية والاجتماعية، رغم الظروف الصعبة التي مرّت بها البلاد، كما يعبّر عن رغبتهم في الحفاظ على أجواء العيد وإدخال الفرح إلى قلوب أفراد الأسرة، وتبرز هذه الشعيرة أيضاً قيم التكافل والتراحم، من خلال توزيع لحم الأضحية على الأقارب والجيران والمحتاجين، بما يعزز الروابط الاجتماعية.
وتُعدّ الأضحية من أبرز شعائر عيد الأضحى المبارك، وتُؤدّى تقرّباً إلى الله سبحانه وتعالى وإحياءً لذكرى نبي الله إبراهيم عليه السلام حين فداه الله بذبحٍ عظيم، كما تحمل قيماً دينية واجتماعية تقوم على التكافل والمعنى الإنساني، ما يجعلها شعيرة حاضرة بقوة في المجتمع خلال هذه المناسبة.