إشارات لا يجب تجاهلها في السنة الأولى من عمر الطفل: بين الطبيعي والمقلق
إشارات لا يجب تجاهلها في السنة الأولى من عمر الطفل: بين الطبيعي والمقلق
● مجتمع ٩ أغسطس ٢٠٢٦

إشارات لا يجب تجاهلها في السنة الأولى من عمر الطفل: بين الطبيعي والمقلق

يُعد رصد تطور الطفل في سنواته الأولى من أبرز المؤشرات على سلامة نموه الجسدي والنفسي، إذ تظهر في هذه المرحلة علامات دقيقة قد تعكس مساراً طبيعياً أو تنبّه إلى وجود اضطرابات تحتاج إلى متابعة مبكرة. 


وفي ظل تباين قدرات الأطفال واختلاف وتيرة نموهم، تبرز أهمية التمييز بين الفروق الفردية الطبيعية والمؤشرات التي تستدعي التقييم، خاصة مع الدور المحوري للبيئة والتفاعل اليومي في الكشف المبكر وتعزيز فرص التدخل الفعّال.

علامات قد تدل على وجود اضطراب نمائي

قال الأخصائي النفسي السريري بيرم جمعة في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن العلامات المبكرة التي قد تشير إلى وجود اضطراب نمائي تظهر خلال السنة الأولى من حياة الطفل عبر عدة مؤشرات أساسية، إذ أن التطور الحركي والجسدي قد يشهد صعوبة أو تأخراً في تثبيت الرأس، أو وجود ارتخاء شديد في العضلات يجعل جسم الطفل يبدو “رخواً”، أو على العكس وجود تشنج وتصلب غير طبيعي في الأطراف.


وأضاف أن التواصل والتفاعل الاجتماعي قد يتجلى بغياب الابتسامة التفاعلية مع الأم أو الرعاة بحلول الشهر الثاني أو الثالث، وغياب أصوات المناغاة، أو إبداء عدم اهتمام بالوجوه والأصوات المحيطة، كما أن التواصل البصري يُعد مؤشراً مهماً، إذ قد يعاني الطفل من عدم القدرة على تثبيت نظره في عينَي من يكلمه، أو صعوبة متابعة الألعاب والأشياء المتحركة بعينيه.


ونوه إلى أن السلوك والنوم والتغذية قد تكشف أيضاً عن وجود صعوبات، مثل مشكلات حادة ومستمرة في الرضاعة والبلع، أو نوبات بكاء متواصلة يصعب تهدئتها، مع اضطراب شديد في نظام النوم والاستيقاظ.


وأوضح أن تأخر الطفل قد يكون طبيعياً في بعض الحالات، حيث يخضع لما يُعرف بـ”الفروق الفردية”، إذ ينشأ كل طفل بوتيرة خاصة، وقد يتأخر بضعة أشهر في مهارة معينة كالمشي أو النطق ببعض الكلمات، لكنه يواصل اكتساب مهارات أخرى بشكل مستمر مثل الفهم والتفاعل وتلبية الأوامر البسيطة. 


المؤشرات المقلقة

وبيّن جمعة أن المؤشرات المقلقة التي تستدعي الاستشارة تشمل فقدان المهارات أو التراجع، كأن يفقد الطفل مهارة كان قد اكتسبها وسيطر عليها سابقاً، مثل التوقف عن النطق بكلمات كان يقولها، أو التوقف عن التواصل البصري، ولفت إلى أن التأخر الشامل يُعد علامة مهمة عندما يظهر تأخر واضح ومزمن في أكثر من جانب في الوقت ذاته، مثل الحركة والكلام والتفاعل الاجتماعي. 


وذكر أن غياب المهارات الأساسية، كعدم استخدام اليد للإشارة إلى الأشياء التي يريدها عند بلوغ عمر السنة إلى سنة ونصف، يستدعي الانتباه، كما تحدث عن قلة التواصل البصري أو عدم الاستجابة للاسم، مؤكداً أنهما علامتان مهمتان تستدعيان الانتباه والتقييم، ولكنهما لا تكفيان وحدهما للتشخيص. 


وأضاف أن عدم الاستجابة للاسم قد يعود إلى عدة أسباب، منها احتمال وجود مشكلة في السمع، أو تأخر في الفهم واللغة، أو قد يكون أحد المؤشرات المرتبطة باضطرابات النمو والتواصل، وأشار إلى أن قلة التواصل البصري تُعد من مؤشرات ضعف التفاعل الاجتماعي المتبادل.


وشدد على ضرورة عدم الاعتماد على علامة واحدة مفردة، بل تحري وجود مجموعة من الأعراض المتكاملة؛ فإذا رافق ضعف النظر أو عدم الرد على الاسم سلوكيات أخرى مثل غياب التفاعل والتقليد، أو تكرار حركات منتظمة كالرفرفة باليدين أو الدوران، أو استخدام يد الكبار للوصول للشيء بدلاً من طلب ذلك بالعين أو الصوت، فهنا يكون التقييم التخصصي ضرورياً.


أخطاء شائعة يقع فيها الأهل

وأفاد بيرم جمعة بأن هناك أخطاء شائعة يقع فيها الأهل عند ملاحظة هذه العلامات، من أبرزها الإنكار والمراهنة على الوقت، من خلال القول إن الطفل “ما زال صغيراً” أو “سوف يتحسن تلقائياً مع الوقت”، أو المقارنة مع أقارب تأخروا في الصغر ثم تحسنوا، وأكد أن التفسير الاجتماعي الخاطئ يُعد من هذه الأخطاء، مثل إرجاع التأخر إلى خجل الطفل أو الدلال أو قلة المخالطة فقط دون إجراء فحص علمي. 


وبيّن أن الاعتماد المفرط على الشاشات والهواتف، عبر إعطاء الطفل الأجهزة الذكية أو ترك الشاشات تعمل أمامه لتهدئته أو إشغاله، يزيد من عزلته ويؤخر تواصله مع محيطه، ولفت إلى أن اللجوء إلى حلول عشوائية، كالبَدء بأنشطة غير مدروسة أو إعطاء فيتامينات ومكملات دون تشخيص دقيق ومعرفة السبب الحقيقي للتأخر، لا يسهم في معالجة المشكلة.


وأوضح أن الاضطراب النمائي يتمثل في توقف كامل عن اكتساب المهارات، أو تراجع فيها، أو وجود فجوة كبيرة بين عمر الطفل وتصرفاته، مع ضعف في كل وسائط التواصل اللفظي وغير اللفظي، وقلة الاهتمام باللعب التفاعلي، ووجود سلوكيات تكرارية نادرة مثل صف الألعاب بطريقة معقدة، أو التعلق الشديد بأشياء غير مألوفة، أو الانزعاج الشديد من أي تغيير بسيط. 


في المقابل، أشار الأخصائي بيرم إلى أن الفروق الفردية الطبيعية تعني نمواً بطيئاً، مع وجود تقدم مستمر وتدريجي في اكتساب المهارات، كما أنه حتى لو تأخر الكلام، يُعوض الطفل ذلك بالإشارة والتحريك ونظرات العين والتفاعل، ويتسم سلوكه بالمرونة، ويكون لعبه بالألعاب وظيفياً وتخيلياً.


وتحدث عن دور البيئة في الكشف المبكر عن أي مشكلة، مبيناً أن البيئة الغنية بالتفاعل تلعب دوراً مزدوجاً وحاسماً، إذ إن توفر اللعب والكلام الدائم مع الطفل يجعل أي تأخر أو خلل يظهر بوضوح، حيث يُلاحظ الأهل بسرعة مدى قدرة الطفل على التقليد والتفاعل وفهم الكلام والمشاركة.


وأضاف أن التحدث المستمر واللعب مع الطفل يشكلان محفزاً رئيسياً للدماغ، وينشطان القدرات اللغوية والاجتماعية، وعندما يكون لدى الطفل أي صعوبة، فإن التحفيز البيئي يساعد الأهل على اكتشاف المشكلة في وقت مبكر جداً، بخلاف الطفل الذي يُترك وحده أمام الشاشات دون تفاعل بشري.


وأشار جمعة إلى إمكانية ظهور نوبات قلق أو توتر مبكر لدى الأطفال، مثل قلق الانفصال عن الوالدين أو القلق من الأماكن والمواقف الجديدة، وذكر أن علامات القلق والتوتر لدى الصغار قد تتجلى في أعراض جسدية، كاضطرابات حادة في النوم أو كوابيس متكررة، أو العودة للتبول اللاإرادي بعد أن كان الطفل قد تعلم السيطرة عليه. 


ونوه إلى سلوكيات الارتباط، مثل التعلق الشديد وغير العادي بالأم أو الأب، ونوبات بكاء وغضب شديدة ومفرطة عند الانفصال عنهما ولو لفترة قصيرة، أو عند تغيير الروتين، وأضاف أن هناك أيضاً حساسية وسلوكيات ذاتية، مثل الانزعاج الشديد من الأصوات أو الأضواء العادية، أو اللجوء إلى تكرار حركات معينة لتهدئة النفس بشكل ملحوظ.


وأكد أن أول خطوة يجب أن يقوم بها الأهل عند الشك بوجود مشكلة هي عدم التردد أو الانتظار، والبدء بمسار علمي واضح، من خلال إجراء فحص طبي شامل عبر زيارة طبيب الأطفال للتأكد من سلامة حاسة السمع والبصر والنمو العضوي والعصبي العام للطفل، وبيّن أهمية الاستعانة بالمختص النفسي والنمائي لتقييم قدرات الطفل الشاملة، سواء اللغوية أو الحركية أو الاجتماعية، لمعرفة ما إذا كان هناك تأخر حقيقي وتحديد نوعه.


وشدد بيرم جمعة على ضرورة البدء بالتدخل المبكر فوراً، وعدم إضاعة الوقت في انتظار نتائج جازمة لسنوات، بل المباشرة ببرامج التحفيز وتنمية المهارات، نظراً لمرونة دماغ الطفل في السنوات الأولى وقدرته العالية على الاستجابة والتحسن، وختم رسالته بالقول: "التشخيص المبكر ليس وصمة، بل هو المفتاح الأهم لفتح آفاق التطور والنمو السليم للطفل."

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ