رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا
رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا
● سياسة ٢٤ يوليو ٢٠٢٦

كينتانا: سوريا بين أعلى دول العالم في أعداد المفقودين وكل سوري يحمل أثراً من القضية

أكدت رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، كارلا كينتانا، أن سوريا تُعد من بين الدول التي تضم أعلى أعداد المفقودين في العالم، سواء من حيث العدد المطلق أو قياساً بعدد السكان، مشيرة إلى أن كل سوري لديه شخص مفقود أو يعرف شخصاً يبحث عن مفقود، في قضية وصفتها بأنها جرح عميق يمس المجتمع السوري بأكمله.

وقالت كينتانا، خلال إحاطة قدمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني والعشرين من تموز 2026، إن البحث عن المفقودين يجب أن يبقى أولوية قصوى في سوريا، نظراً إلى ارتباطه بإعادة بناء الثقة وتعزيز المؤسسات وإرساء أسس السلام الدائم، مؤكدة أن الاستقرار والمصالحة لا يمكن أن يتحققا من دون كشف مصير مئات الآلاف من المفقودين وتقديم إجابات واضحة لعائلاتهم.

وأوضحت أن المؤسسة عالجت خلال العام الماضي أكثر من 75 ألف وثيقة، بزيادة تجاوزت تسعة أضعاف عدد الوثائق التي عالجتها خلال الفترة التي تناولها التقرير السابق، بالتزامن مع توسيع نطاق البحث ليشمل حالات الاختفاء القسري في عهد النظام السوري البائد، والأطفال المفقودين، وحالات مرتبطة بتنظيم داعش وجماعات مسلحة أخرى، إضافة إلى السوريين الذين فقدوا خلال رحلات الهجرة وطلب اللجوء.

مرحلة جديدة بعد عقود من الاعتقال والاختفاء القسري

قالت كينتانا إن سوريا دخلت قبل تسعة عشر شهراً فصلاً جديداً من تاريخها، موضحة أن صباح الثامن من كانون الأول 2024 فتح آفاقاً جديدة أمام السوريين بعد أكثر من خمسة عقود من الخوف والاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري في ظل النظام السوري البائد.

وأضافت أن الأمل الذي رافق التحول الجديد اصطدم بواقع صعب في بلد تعرضت مدنه للدمار، وتمزقت عائلاته، وأُنهكت مؤسساته خلال سنوات طويلة من الحرب والانتهاكات، مشيرة إلى أن سوريا بدت في كثير من الجوانب وكأن الزمن توقف فيها.

وبينت كينتانا أن مصير المفقودين يأتي في مقدمة التحديات التي تواجهها البلاد من حيث العمق والخطورة، لأن اختفاء فرد واحد لا يترك أثره في الشخص الغائب وحده، وإنما يمتد الألم والقلق إلى جميع أفراد أسرته، بينما يؤدي فقدان مئات الآلاف من الأشخاص إلى نشر حالة من الألم الجماعي داخل المجتمع كله.

وشددت على استحالة تصور استقرار أو مصالحة أو سلام دائم في سوريا من دون معرفة مصير المفقودين وأماكن وجودهم، لافتة إلى أن عدداً من الدول الأعضاء في الجمعية العامة يدرك حجم هذا التحدي والسنوات الطويلة التي قد يحتاج إليها التعامل معه.

وأشارت إلى أن السوريين لا يواجهون القضية بمفردهم، بفضل إصرار عائلات المفقودين، والجهود التي بذلتها منظمات المجتمع المدني السوري، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة إنشاء المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين.

معالجة آلاف الوثائق وبناء منظومة شاملة للمعلومات

أكدت كينتانا أن ولاية المؤسسة تتسم بالطموح، إذ تشمل توضيح مصير جميع الأشخاص المفقودين في سوريا وتحديد أماكن وجودهم، إلى جانب تقديم الدعم لعائلاتهم التي انتظرت سنوات طويلة للحصول على معلومات موثوقة.

وأوضحت أن تنفيذ هذه المهمة لا يمكن أن يعتمد على تحقيقات منفصلة ومعزولة، وإنما يحتاج إلى بناء منظومة شاملة تسمح بجمع المعلومات وتحليلها ومشاركتها وتحويلها إلى إجابات يمكن تقديمها إلى الأسر.

وقالت إن المؤسسة بدأت خلال العام الماضي بتزويد بعض العائلات بمعلومات متعلقة بذويها، بالتزامن مع تطوير الأنظمة التي يفترض أن تمكّنها من تقديم المزيد من الإجابات خلال المراحل المقبلة.

وبحسب كينتانا، عالجت المؤسسة أكثر من 75 ألف وثيقة، وهو رقم يزيد بأكثر من تسعة أضعاف على حجم الوثائق التي عولجت خلال الفترة المشمولة بالتقرير السابق، كما دمجت مجموعات ضخمة من البيانات وطورت أدوات التحليل التي تساعد على الربط بين المعلومات المتفرقة عبر آلاف الحالات.

وأضافت أن المؤسسة رسخت منهجاً قائماً على دراسة الأنماط، بما يسمح بمقارنة الحالات والوقائع والسجلات وتحديد الروابط التي قد تساعد في كشف مصير الأشخاص المفقودين أو تحديد الجهات والأماكن المرتبطة باختفائهم.

ووسعت المؤسسة نطاق عملها ليشمل الأشخاص الذين تعرضوا للاختفاء القسري في عهد النظام السوري البائد، إلى جانب الأطفال المفقودين، وحالات الاختفاء المرتبطة بتنظيم داعش والجماعات المسلحة الأخرى، والأشخاص الذين فقدوا أثناء رحلات الهجرة وطلب اللجوء.

كما بدأت المؤسسة متابعة حالات الاختفاء المبلغ عنها منذ كانون الأول 2024، وشرعت بصورة تدريجية في تسجيل حالات السوريين المفقودين خارج البلاد، في ظل وجود أعداد من الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم خلال عبور طرق الهجرة أو أثناء وجودهم في دول مختلفة.

تعاون مع السلطات السورية وتوسيع التواصل مع العائلات

قالت كينتانا إن مشاركة المعلومات تمثل ضرورة أساسية لإنجاح عمليات البحث، رغم أنها تشكل في الوقت نفسه أحد أكبر التحديات، موضحة أن المؤسسة أتاحت للجهات الدولية الفاعلة والسلطات السورية إمكانية الوصول إلى أنظمتها ومعلوماتها.

وأضافت أن المؤسسة أبلغت شركاءها السوريين بالتزامها بالعمل المشترك على تأسيس نظام شامل لتبادل المعلومات المتعلقة بالمفقودين في سوريا، وفقاً للمعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال.

ورأت أن نجاح هذا التعاون لن يرفع فرص كشف مصير المفقودين السوريين وأماكن وجودهم فحسب، وإنما قد يقدم تجربة يمكن الاستفادة منها على المستوى الدولي في البلدان التي تواجه أزمات اختفاء واسعة النطاق.

وأشارت كينتانا إلى أن المؤسسة المستقلة تتميز بأنها أُنشئت استجابة لمطالب الأسر، وتعمل من أجلها وتنفذ ولايتها بالتعاون معها، مؤكدة أن دعم العائلات يمثل الركيزة الثانية في عمل المؤسسة إلى جانب البحث عن المفقودين.

وأقرت بأن الوصول إلى مئات الآلاف من الأسر داخل سوريا وخارجها، والتعامل مع توقعاتها بعد سنوات من الانتظار، يشكل تحدياً كبيراً، لكنها أوضحت أن المؤسسة وسعت خلال العام الحالي نطاق تواصلها المباشر مع العائلات، بما في ذلك أسر لم يسبق لها التواصل مع المؤسسة.

وعملت المؤسسة مع أبناء الجاليات السورية في تركيا ولبنان والأردن وألمانيا، فيما أعربت كينتانا عن تقديرها لحكومات هذه الدول ومنظمات المجتمع المدني العاملة فيها على ما قدمته من تسهيلات ودعم.

وفي داخل سوريا، عقدت المؤسسة عدداً من الاجتماعات مع عائلات المفقودين، كما تواصلت معها أسر أخرى بصورة مباشرة، إلا أن كينتانا أوضحت أن فرق المؤسسة لم تتمكن حتى الآن من التواصل مع الأسر خارج دمشق.

وأضافت أن المؤسسة عززت قنوات إحالة العائلات للحصول على الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي وغيره من أشكال المساعدة، كما عمقت مشاركة الأسر ومنظمات المجتمع المدني السوري من خلال مجلسها الاستشاري وآليات المشاركة الأخرى.

دعم الهيئة الوطنية وتحديد مئات المقابر الجماعية

شددت كينتانا على ضرورة وجود آلية بحث وطنية في بلد تنتشر فيه حالات الاختفاء على امتداد أراضيه، مشيرة إلى أن المؤسسة المستقلة اقترحت منذ البداية خطوات عملية واستراتيجية لتقديم دعم مستدام ومنهجي للهيئة الوطنية للمفقودين منذ إنشائها خلال العام الماضي.

وقالت إن الطرفين اتفقا على تنفيذ عدة مشاريع مشتركة، قدمت المؤسسة في إطارها أدوات لرسم الخرائط والمساعدة في تحديد مئات المقابر الجماعية، إلى جانب معلومات مرتبطة بحالات أشخاص فقدوا على طرق الهجرة.

وشملت مساهمات المؤسسة المشاركة في إعداد الإطار القانوني المطلوب للتعامل مع قضية المفقودين، ووضع أساس لنظام تبادل المعلومات بين المؤسسات والجهات المعنية.

كما قدمت المؤسسة خبرتها في بناء السياسات العامة الخاصة بالمفقودين، وتعزيز قدرات الموظفين وتدريبهم، والمساهمة في تطوير البنية التحتية التي تحتاج إليها عمليات البحث وجمع البيانات وتحليلها.

وأوضحت كينتانا أن التجارب المقارنة في دول أخرى أظهرت أن بناء استجابة متكاملة لأزمة مفقودين بهذا الحجم يحتاج إلى سنوات، بسبب ما يتطلبه من قدرات مؤسسية ومنهجيات ملائمة وثقة وتمويل مستدام وأنظمة معلومات قوية.

وأضافت أن نجاح عمليات البحث يحتاج أيضاً إلى دعم جميع المؤسسات الوطنية المعنية، مشيرة إلى أن عدة دول أعضاء ممثلة في الجمعية العامة اختبرت بصورة مباشرة صعوبة التعامل مع قضايا الاختفاء الواسعة.

ورأت أن هناك واجباً أخلاقياً يفرض تسخير خبرة المؤسسة المستقلة ومعرفتها لخدمة سوريا، مؤكدة أن هذا الدعم يمثل مطلباً رئيسياً لعائلات المفقودين وحقاً تستحقه بعد سنوات الانتظار.

تجديد طلب إنشاء مكتب دائم داخل سوريا

جددت كينتانا طلب المؤسسة السماح لها بإنشاء مكتب دائم في سوريا، موضحة أن هذا الطلب قُدم للمرة الأولى في أيار 2025.

وأشارت إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة أكد في تقريره أن إنشاء وجود دائم للمؤسسة المستقلة داخل سوريا سيعزز بدرجة كبيرة قدرتها على دعم نظرائها السوريين وتنفيذ ولايتها بفعالية في البحث عن جميع المفقودين.

وقالت إن وجود مكتب داخل البلاد سيخدم مصالح المفقودين وعائلاتهم، ويسهل التنسيق مع الهيئة الوطنية للمفقودين وغيرها من المؤسسات السورية، كما سيساعد على التواصل المباشر مع الأسر في مختلف المحافظات، بعد أن بقي نشاط المؤسسة الميداني داخل سوريا محدوداً بصورة أساسية في دمشق.

وأكدت كينتانا أن البحث عن المفقودين يتطلب تدفقاً مستمراً للمعلومات، ومنهجية علمية موجهة نحو العثور عليهم، وإرادة سياسية على جميع المستويات، إضافة إلى بناء الثقة بين الأسر والمؤسسات والجهات المشاركة في عمليات البحث.

وشددت على أن أي مؤسسة لا تستطيع إنجاز المهمة بمفردها، وأن تحقيق تقدم ملموس يرتبط باستعداد جميع الجهات المعنية للعمل بصورة منسقة ومتكاملة، وتقاسم المسؤولية في خدمة المفقودين وعائلاتهم.

وأضافت أن المؤسسة المستقلة ستواصل عملها إلى جانب العائلات السورية ومنظمات المجتمع المدني والهيئة الوطنية للمفقودين والمؤسسات السورية الأخرى، فضلاً عن الشركاء الدوليين والدول الأعضاء.

تقدير للدول الداعمة وإشادة بدور النساء السوريات

أعربت كينتانا عن امتنانها للأفراد والعائلات ومنظمات المجتمع المدني التي ائتمنت المؤسسة على معلومات تشكل جوهر عمليات البحث، مؤكدة أن البيانات والشهادات التي تقدمها الأسر تمثل أساساً ضرورياً للربط بين الحالات والوصول إلى نتائج.

كما شكرت الدول الأعضاء التي فقد سوريون على أراضيها أو أثناء محاولتهم الوصول إليها خلال رحلة الفرار، والتي تقدم حالياً دعماً للمؤسسة من أجل كشف مصير هؤلاء الأشخاص ومعرفة أماكن وجودهم.

ووجهت تقديراً إلى الدول التي دعمت عمل المؤسسة من خلال التبرعات الطوعية، ولا سيما ألمانيا وكندا والسويد ولوكسمبورغ وهولندا ومالطا.

وخصت كينتانا النساء السوريات بالتقدير، مشيرة إلى أن النساء في البلدان المتضررة من حالات الاختفاء يتحملن في كثير من الأحيان العبء الأكبر في البحث عن أحبائهن المفقودين، إلى جانب مسؤولية إعالة أسرهن والمحافظة على الأمل خلال سنوات الانتظار.

وقالت إن النساء السوريات عملن على تحويل ما بدا مستحيلاً إلى أمر ممكن، معربة عن تقديرها واحترامها للدور الذي اضطلعن به في إبقاء القضية حاضرة ومواصلة البحث والمطالبة بالإجابات.

وختمت كينتانا إحاطتها بالتأكيد أن الأشهر التسعة عشر التي أعقبت الواقع الجديد في سوريا شهدت اتخاذ خطوات أولى مهمة، إلا أن حجم القضية يفرض مواصلة العمل، مشددة على ضرورة أن يقترن الأمل بالحقائق، وأن تُقاس المقاصد بالنتائج التي تصل فعلياً إلى العائلات المنتظرة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ