سوريا تعرض رؤيتها للشراكة مع أوروبا.. تعاون أمني وتمويل تنموي وإزالة العوائق المصرفية
سوريا تعرض رؤيتها للشراكة مع أوروبا.. تعاون أمني وتمويل تنموي وإزالة العوائق المصرفية
● سياسة ٦ نوفمبر ٢٠٢٦

سوريا تعرض رؤيتها للشراكة مع أوروبا.. تعاون أمني وتمويل تنموي وإزالة العوائق المصرفية

أكد مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين، قتيبة قاديش، أن سوريا تشهد تحولاً استراتيجياً في دورها وعلاقاتها الدولية، وتعمل على استعادة مؤسساتها وتعزيز مكانتها دولة مسؤولة وشريكاً فاعلاً في الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، داعياً الدول الأوروبية إلى تطوير شراكة تقوم على التعاون المؤسسي المباشر ودعم التعافي الاقتصادي وإعادة بناء المؤسسات.

وأوضح قاديش أن أولويات التعاون تشمل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات، وإزالة العوائق التي تواجه التحويلات المصرفية وتمويل التجارة والاستثمار، إلى جانب تطوير آليات تنسيق المساعدات والتمويل التنموي، والانتقال من التعهدات إلى تنفيذ مشاريع محددة قابلة للمتابعة والتقييم.

وجاءت تصريحات قاديش خلال كلمة ألقاها أمام مجموعة عمل المغرب العربي والمشرق (MaMa) في مجلس الاتحاد الأوروبي بالعاصمة البلجيكية بروكسل، يوم الخميس، حيث أكد أن أوروبا تمثل شريكاً طبيعياً لسوريا في بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً، وأن أمن سوريا واستقرارها مصلحة مشتركة للجانبين.

تحول في الدور السوري والعلاقات الدولية

أشار قاديش إلى أن سوريا التي عرفها الأوروبيون خلال السنوات الماضية من خلال الحرب والنزوح والدمار، تعمل اليوم على إعادة بناء مؤسساتها واستعادة دورها الإقليمي والدولي.

وأوضح أن التحول الذي بدأ مع سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024 أحدث تغييراً عميقاً في طبيعة الدولة وعلاقتها بشعبها والعالم.

وبيّن أن سوريا انتقلت خلال أقل من عامين من مركز لإنتاج المخدرات وتهريبها في عهد النظام السابق إلى شريك في مكافحتها، بالتوازي مع تعاونها مع المؤسسات الدولية لمعالجة إرث الأسلحة الكيميائية.

وأشار إلى استعادة سوريا حقوقها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وانضمامها إلى التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش»، ضمن التحولات التي تشهدها علاقاتها الدولية.

وأكد أن السياسة الخارجية السورية تقوم على بناء علاقات متوازنة وبنّاءة، واحترام سيادة الدول ومصالحها، والابتعاد عن المحاور والصراعات، مع التطلع إلى أن تكون سوريا عامل استقرار وجسراً للتعاون بين محيطها العربي وأوروبا.

تعاون أمني لمكافحة الإرهاب والمخدرات

شدد قاديش على أهمية تطوير التعاون الأمني والمؤسسي المباشر مع الدول الأوروبية في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر وأمن الحدود.

وأوضح أن هذا التعاون ينبغي أن يقوم على تبادل المعلومات والخبرات وبناء القدرات، بما يعزز أمن سوريا والدول الأوروبية.

كما أشار إلى أهمية تهيئة الظروف المناسبة لعودة اللاجئين السوريين بصورة طوعية وآمنة وكريمة، في إطار الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات والخدمات.

التوغلات الإسرائيلية تهدد جهود الاستقرار

حذر قاديش من استمرار التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، معتبراً أنها تشكل تحدياً أمام جهود استعادة الأمن والاستقرار.

وأشار إلى إقامة نقاط تفتيش ومنشآت عسكرية إسرائيلية في جنوب سوريا، وتنفيذ عمليات دهم وتوقيف طالت مدنيين، بينهم أطفال.

وأكد أن هذه الممارسات تقوض الاستقرار وتهدد بإعادة إشعال التوتر، داعياً الدول الأوروبية إلى دعم احترام القانون الدولي واتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وشدد على ضرورة منع التصعيد والحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها، بوصف ذلك جزءاً من متطلبات تحقيق الاستقرار الإقليمي.

إزالة العوائق المصرفية أمام التجارة والاستثمار

ثمّن قاديش التطورات التي شهدتها العلاقات السورية الأوروبية، ولا سيما رفع العقوبات الاقتصادية واستئناف الحوار السياسي رفيع المستوى وعودة التمثيل الدبلوماسي الأوروبي إلى دمشق.

وأكد ضرورة ترجمة هذه الخطوات إلى نتائج عملية تنعكس على التعاون الاقتصادي والمالي والاستثماري بين الجانبين.

ودعا إلى إزالة العوائق التي لا تزال تواجه التحويلات المصرفية والعلاقات بين المصارف وتمويل التجارة والاستثمار، موضحاً أن الصعوبات العملية في المعاملات المالية تحد من قدرة الشركات على الاستثمار، ومن قدرة المؤسسات الدولية على تمويل التعافي.

كما طالب بمراجعة تصنيفات المخاطر والتحذيرات المتعلقة بالسفر إلى سوريا، استناداً إلى تقييمات أمنية محدثة وموضوعية.

وشدد على أهمية استكمال إعادة الانخراط الاقتصادي والمالي، وإزالة العقبات التي تحول دون استعادة العلاقات الطبيعية مع المؤسسات المالية والاقتصادية الأوروبية.

أربعة محاور وطنية للتعافي وإعادة بناء المؤسسات

أكد قاديش أن تحقيق الاستقرار المستدام يتطلب معالجة تراجع الخدمات الأساسية ونقص فرص العمل وضعف المؤسسات، مشيراً إلى أن الحكومة السورية وضعت إطاراً وطنياً للتعافي يقوم على أربعة محاور رئيسية.

ويشمل المحور الأول إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، فيما يركز الثاني على استعادة الخدمات الأساسية، ويتعلق الثالث بتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي، بينما يتناول الرابع دعم الأنظمة الحكومية والإدارة العامة.

وأوضح أن إدارة التعاون الدولي تعمل على تطوير منظومة تنسيق وطنية تربط أولويات التعافي بالشركاء الدوليين، بما يساعد على منع ازدواجية البرامج، وتحسين توظيف الموارد، وتعزيز الشفافية ومتابعة النتائج.

وشدد على أهمية الانتقال من الدعم الإنساني إلى معالجة الأسباب التي تولد الاحتياجات، من خلال الاستثمار في قدرات المؤسسات والمجتمعات المحلية، بما يدعم تحقيق تعافٍ مستدام.

منتدى لتنسيق الشراكات السورية

كشف قاديش عن تطوير ثلاث أدوات لتعزيز التعاون الدولي وتنسيق التمويل والمشاريع، تتقدمها مبادرة منتدى تنسيق الشراكات السورية (SPCF).

وأوضح أن المنتدى يهدف إلى مواءمة البرامج والتمويل مع الأولويات الوطنية، وتحديد الفجوات وتطوير المشاريع ومتابعة تنفيذها.

وأشار إلى أن الاجتماع المرتقب للمنتدى في دمشق خلال تشرين الثاني الجاري يستهدف الانتقال إلى مرحلة تنسيق التنفيذ، عبر تشكيل مجموعات عمل قطاعية، وإعداد خريطة محدثة للدعم الدولي، وتطوير محفظة مشاريع قابلة للتمويل.

ودعا الحكومات الأوروبية إلى المشاركة في المنتدى وتوجيه الموارد نحو برامج متكاملة، بدلاً من المبادرات المتفرقة، بما يعزز التنسيق بين الجهات الوطنية والشركاء الدوليين.

مركز للمساعدة الفنية وتطوير القدرات الحكومية

تتمثل الأداة الثانية، وفق قاديش، في مركز المساعدة الفنية الذي تعمل سوريا على تطويره بالتعاون مع المفوضية الأوروبية.

وأوضح أن المركز يستهدف تلبية احتياجات المؤسسات الوطنية من الخبرات الفنية، ولا سيما في مجالات الإدارة العامة والمالية والتخطيط والتحول الرقمي وإعداد المشاريع.

وأشار إلى أن تطوير هذه الآلية يهدف إلى تعزيز القدرات الوطنية داخل المؤسسات السورية، وتمكينها من إعداد الخطط والمشاريع وتنفيذها ومتابعتها.

آليات للتمويل التنموي والاستثماري

أوضح قاديش أن الأداة الثالثة تتعلق بتطوير آليات التمويل التنموي والاستثماري، بما يتيح توسيع مصادر التمويل المخصصة للتعافي وإعادة الإعمار.

ورحب بالاتفاق مع مجموعة البنك الدولي لإنشاء صندوق التعافي وإعادة الإعمار (START)، معرباً عن تطلع سوريا إلى توسيع التعاون مع بنك الاستثمار الأوروبي والمؤسسات المالية والتنموية الأوروبية.

وأكد الحاجة إلى نموذج تمويلي يجمع بين المنح والمساعدة الفنية والتمويل التنموي والاستثمار المسؤول، بما يعزز قدرات الدولة ويوفر فرص العمل ويدعم النمو الاقتصادي.

وأشار إلى أهمية توجيه التمويلات نحو مشاريع مرتبطة بالأولويات الوطنية، مع تطوير آليات واضحة للتنفيذ والمتابعة وقياس النتائج.

ثلاث رسائل سورية إلى الدول الأوروبية

حدد قاديش ثلاث رسائل رئيسية للتعاون مع أوروبا، تتعلق بتطوير الشراكة الأمنية والمؤسسية، وتغيير نهج التعاون الدولي، والانتقال من التعهدات إلى التنفيذ.

وتتمثل الرسالة الأولى في تحويل المصالح الأمنية والاستراتيجية المشتركة إلى تعاون مؤسسي مباشر، يشمل المجالات التي حددتها سوريا بوصفها أولويات مشتركة مع الدول الأوروبية.

أما الرسالة الثانية، فتدعو إلى تغيير نهج التعاون عبر التعامل مع المؤسسات الوطنية السورية، التي تتولى تحديد الأولويات وتحويلها إلى خطط ومشاريع قابلة للتنفيذ.

وقال قاديش في هذا السياق: «لم نعد نطرح قوائم بالاحتياجات، بل نقدم رؤية وطنية نسعى إلى تنفيذها بالشراكة مع المجتمع الدولي».

ودعا الحكومات الأوروبية إلى المشاركة في منتدى تنسيق الشراكات السورية، وتوجيه الموارد نحو برامج متكاملة تتوافق مع الأولويات الوطنية.

وتتمثل الرسالة الثالثة في الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ وتحقيق النتائج، من خلال تحديد قنوات اتصال مباشرة ومجالات تعاون واضحة، والعمل على مشاريع قابلة للتنفيذ والتمويل وفق جداول زمنية وآليات متابعة مشتركة.

كما شدد على ضرورة استكمال إعادة الانخراط الاقتصادي والمالي، وإزالة العوائق أمام استعادة العلاقات الطبيعية بين سوريا والمؤسسات الأوروبية.

شراكة لدعم التعافي والاستقرار

أكد قاديش أن السوريين يتطلعون إلى تحقيق الأمن والاستقرار وعودة الخدمات وفتح المدارس وتعافي الاقتصاد، واستعادة المؤسسات قدرتها على تلبية احتياجات المواطنين.

وأوضح أن سوريا تسعى إلى بناء شراكات دولية تسهم في دعم هذه الأولويات، مع الحفاظ على دور المؤسسات الوطنية في تحديد الاحتياجات وإدارة المشاريع ومتابعة تنفيذها.

واختتم كلمته بالتأكيد على أن أمن سوريا واستقرارها مصلحة مشتركة، وأن تعافيها يمثل فرصة للتعاون بين سوريا وأوروبا، فيما يشكل نجاح إعادة بناء مؤسساتها مكسباً للمنطقة.

وشدد على أن سوريا تدعو أوروبا إلى شراكة تمكّن السوريين من بناء مستقبل بلادهم بأنفسهم، من خلال التعاون المؤسسي والاستثمار في التعافي والتنمية، وتحويل التفاهمات السياسية والاقتصادية إلى مشاريع ونتائج ملموسة.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ