من سطوة الأمن إلى قفص الاتهام… رمزية محاكمة عاطف نجيب في سوريا الجديدة
شكّلت السنوات التي سبقت سقوط نظام الأسد البائد نموذجاً صارخاً لهيمنة العقل الأمني على مفاصل الدولة، حيث كانت الأجهزة الأمنية تتحكم بالحياة السياسية والاجتماعية، وتُدار البلاد عبر منظومة تقوم على القمع وتكميم الأصوات، دون أي مساءلة قانونية حقيقية، وكان رموز تلك المرحلة، ومنهم عاطف نجيب، يتمتعون بنفوذ واسع وحصانة شبه مطلقة.
ومع بدء محاكمة عاطف نجيب، أحد أبرز رموز القبضة الأمنية في نظام الأسد البائد، اليوم، بدأت تشهد العدالة الانتقالية في سوريا، تحوّلاً عميقاً، إذ لم تعد السلطة محصّنة خلف الأجهزة الأمنية، بل باتت خاضعة للمساءلة أمام القضاء، في صورة تختصر انتقال البلاد من حكم القوة إلى منطق القانون.
لم يكن نجيب مسؤول أمني عادي، بل كان جزءاً من الدائرة الضيقة المرتبطة بالإرهابي الفار بشار الأسد، وارتبط اسمه ببدايات الاحتجاجات في درعا عام 2011، ما يجعل محاكمته اليوم ذات دلالة تتجاوز شخصه، لتطال مرحلة كاملة من الحكم الأمني الذي حكم البلاد لعقود.
يعكس مشهد وجود نجيب داخل قفص الاتهام انقلاباً رمزياً في موازين القوة، فالشخص الذي كان يمثل سلطة القرار الأمني، بات اليوم في موقع الدفاع، خاضعاً لإجراءات قانونية علنية، وهو تحول يحمل أبعاداً نفسية واجتماعية عميقة لدى السوريين.
كما تشكل هذه المحاكمة رسالة مباشرة للضحايا وذويهم بأن العدالة، وإن تأخرت، يمكن أن تتحقق، وأن الجرائم التي ارتُكبت لن تبقى خارج نطاق المحاسبة، ما يعزز الشعور بإمكانية استعادة الحقوق ولو جزئياً.
لا تمثل محاكمة عاطف نجيب نهاية لمسار العدالة، بل بدايته، إذ تفتح الباب أمام محاسبة أوسع تطال بقية المتورطين في الانتهاكات، وتؤكد أن المرحلة القادمة ستشهد انتقالاً تدريجياً من التوثيق إلى المحاكمة الفعلية.
وتعكس هذه الخطوة أيضاً تحولاً في بنية الدولة نفسها، من نموذج قائم على الأجهزة الأمنية إلى نموذج يسعى لترسيخ سيادة القانون والمؤسسات، وهو تحول لا يكتمل إلا باستمرار هذا المسار وتعزيزه.
في المحصلة، تحمل محاكمة نجيب بعداً رمزياً يتجاوز الحدث القضائي، إذ تمثل لحظة تاريخية تعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها المساءلة بدل الإفلات من العقاب، والعدالة بدل الخوف.