من «سوريا عادت» إلى «سوريا تنهض».. خطاب الشرع في الأمم المتحدة ينقل الرواية السورية من الحرب إلى بناء الدولة
حمل خطاب الرئيس أحمد الشرع أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة نبرة مختلفة عن خطاب العام الماضي، إذ انتقل من تثبيت عودة سوريا إلى المجتمع الدولي بعد سقوط نظام الأسد البائد، إلى تقديم حصيلة سياسية وأمنية واقتصادية ودبلوماسية لما تحقق خلال عام، واختار عبارة «سوريا تنهض» لتكون العنوان الأبرز للمرحلة التي أراد تقديمها أمام العالم.
خطاب حصيلة أكثر منه خطاب وعود
بدا الخطاب واثقاً في بنائه ولغته، واعتمد بصورة واضحة على الانتقال من سرد المأساة السورية إلى الحديث عن الدولة وما أنجزته وما تريد إنجازه، فالرئيس الشرع لم يكتفِ بالحديث عن انتهاء الحرب، وإنما وضع أمام المجتمع الدولي مجموعة من المؤشرات التي قدمها باعتبارها دليلاً على انتقال البلاد إلى التعافي، من توحيد المؤسسات وحصر السلاح وإعادة بناء الجيش والأمن، إلى عودة الإنتاج والاستثمار واللاجئين والانفتاح الدبلوماسي.
وحملت المقارنة بين عبارتي «سوريا عادت» في العام الماضي و«سوريا تنهض» هذا العام رسالة سياسية واضحة، فالأولى كانت مرتبطة باستعادة الحضور والاعتراف، أما الثانية فركزت على القدرة على إدارة الدولة وتحويل الانفتاح الدولي إلى نتائج داخلية، وهي الرسالة المركزية التي تكررت في ملفات الاقتصاد والدبلوماسية والأمن.
لغة الأرقام لإثبات التحول
اعتمد الشرع على الأرقام بصورة لافتة، فتحدث عن مسارات تواصل مع نحو 100 دولة، ونحو 60 بعثة دبلوماسية في دمشق، وعودة أكثر من 3.5 ملايين لاجئ ونازح، ودخول أكثر من 3000 خط إنتاج إلى العمل، وهي أرقام قدمها الخطاب بوصفها مؤشرات على اتساع التعافي والانفتاح.
واستخدم الرئيس النهج ذاته في الملف الأمني، إذ تحدث عن ضبط نحو 700 مليون حبة كبتاغون خلال أكثر من 1500 عملية وتفكيك 90 شبكة دولية، وهي أرقام سبق أن أعلنت السلطات السورية أجزاء رئيسية منها خلال إطلاق الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات في حزيران الماضي.
ويكشف هذا الحضور الكثيف للأرقام أن الخطاب أراد الابتعاد عن العموميات، وتقديم سردية تقوم على «حصيلة عام» يمكن عرضها أمام الداخل والخارج، مع بقاء الحكم على أثر هذه المؤشرات مرتبطاً بما سينعكس منها فعلياً على حياة السوريين خلال المرحلة المقبلة.
الداخل حاضر أمام المنبر الدولي
أظهر الخطاب أن الرسالة لم تكن موجهة إلى المجتمع الدولي وحده، إذ حضرت ملفات تمس السوريين مباشرة، وفي مقدمتها المفقودون والعدالة الانتقالية والتعليم والإعمار والسكن واللاجئون، إضافة إلى مبادرة «سوريا بلا مخيمات»، التي قدمها الشرع باعتبارها جزءاً من معالجة إرث النزوح الطويل.
ويعطي هذا الربط بين الدبلوماسية والتعافي الداخلي معنى أوسع لفكرة «النهوض» التي كررها الرئيس، إذ وضع نجاح السياسة الخارجية في خدمة إعادة البناء، وليس بوصفه غاية منفصلة عنها، وربط استعادة العلاقات برفع العقوبات والاستثمار والإنتاج وعودة السوريين.
الجولان.. سلام من بوابة الحقوق
حمل الجزء المتعلق بإسرائيل واحدة من أكثر رسائل الخطاب وضوحاً، إذ تمسك الشرع بسورية الجولان واستند إلى قرار مجلس الأمن 497، بالتوازي مع إبقاء باب التسوية مفتوحاً، عبر التأكيد أن «فرصة السلام التاريخية» ما تزال قائمة إذا ارتبطت بالحقوق والقانون الدولي.
وجمع الخطاب بذلك بين موقفين أرادت دمشق إظهارهما متكاملين، أولهما رفض الاعتداءات وفرض الأمر الواقع والتمسك بالأرض السورية، وثانيهما تقديم سوريا كدولة مستعدة للدبلوماسية والسلام وفق شروط معلنة تستند إلى استعادة الحقوق.
من استعادة الدولة إلى تثبيت دورها
كشف الخطاب أيضاً طموحاً يتجاوز إعادة بناء الداخل نحو استعادة الموقع الإقليمي لسوريا، ولا سيما عندما تحدث الشرع عن موقع البلاد في التجارة والطاقة وأمن المشرق، مقدماً دمشق كطرف ينبغي أن يكون حاضراً في أي ترتيبات اقتصادية وأمنية مستقبلية للمنطقة.
وتشكل هذه النقطة تحولاً مهماً في مضمون الخطاب السياسي السوري، فالرسالة لم تعد تقتصر على مطالبة العالم بمساعدة سوريا للخروج من آثار الحرب، وإنما انتقلت إلى تقديم سوريا باعتبارها دولة تملك موقعاً جغرافياً وقدرات ومصالح يمكن أن تجعلها شريكاً في مشاريع المنطقة.
الثقة في الخطاب والاختبار في التنفيذ
قدم الرئيس أحمد الشرع خطاباً يقوم على الثقة بما تحقق والطموح لما هو مقبل، ووضع أمام المجتمع الدولي صورة لسوريا تريد الانتقال من بلد ارتبط اسمه طويلاً بالحرب واللجوء والعقوبات إلى دولة تتحدث عن الاستثمار والممرات الاقتصادية والإنتاج وعودة اللاجئين والشراكات الدولية.
ويبقى الاختبار الأهم بعد الخطاب في قدرة المؤسسات السورية على تحويل هذه العناوين والأرقام إلى نتائج مستدامة يلمسها السوريون، من تحسين الاقتصاد والخدمات وإعادة الإعمار، إلى معالجة ملف المفقودين وترسيخ العدالة وسيادة القانون واستكمال عودة النازحين واللاجئين.
ويمكن قراءة عبارة «سوريا تنهض» باعتبارها خلاصة الرسالة التي أراد الرئيس إيصالها من نيويورك، لكنها في الوقت نفسه تضع سقفاً مرتفعاً للمرحلة المقبلة، لأن الانتقال من إعلان العودة إلى إثبات النهوض سيُقاس في النهاية بحجم ما يتحقق على الأرض، وقدرة الدولة على تحويل الانفتاح السياسي والدولي إلى استقرار وتنمية وفرص وحياة أفضل للسوريين.