دمشق تعيد رسم الوجود الروسي وتستعيد منشآتها الاستراتيجية
دمشق تعيد رسم الوجود الروسي وتستعيد منشآتها الاستراتيجية
● آراء ومقالات ٩ أغسطس ٢٠٢٦

دمشق تعيد رسم الوجود الروسي وتستعيد منشآتها الاستراتيجية

فرض سقوط نظام الأسد البائد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر واقعاً سياسياً جديداً في سوريا، لم يقتصر على تغيير السلطة في دمشق، بل امتد إلى ملفات شديدة التعقيد تراكمت خلال سنوات الحرب في سوريا، وفي مقدمتها شكل الوجود العسكري الأجنبي والعلاقات التي أقامها النظام السابق مع حلفائه، وعلى رأسهم روسيا، التي امتلكت حضوراً عسكرياً واسعاً في الساحل السوري عبر قاعدتي حميميم وطرطوس.

إرث ثقيل أمام الدولة الجديدة

كان ملف الوجود الروسي بالغ الحساسية، تشابكت فيه الاعتبارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، فحميميم شكلت منذ عام 2015 مركزاً رئيسياً للعمليات الجوية الروسية في سوريا، فيما مثل الوجود الروسي في طرطوس نقطة ارتكاز بحرية ولوجستية مهمة لموسكو على البحر المتوسط.

خلال أكثر من عام، لم يكن من مصلحة سوريا الانتقال من مرحلة التبعية التي فرضها نظام الأسد البائد إلى سياسة تقوم على القطيعة غير المحسوبة، كما لم يكن ممكناً استمرار الترتيبات السابقة وكأن التحول السياسي الذي شهدته البلاد لم يحدث، ومن هنا برز التفاوض باعتباره الطريق الأكثر قدرة على إعادة صياغة العلاقة من موقع الدولة ومصالحها.

18 شهراً من التفاوض
استغرقت المفاوضات والمباحثات بين دمشق وموسكو نحو عام ونصف، وقادتها وزارة الخارجية والمغتربين وصولاً إلى مذكرة تفاهم ترسم إطاراً مختلفاً للوجود الروسي في سوريا، وهي مدة تكشف في حد ذاتها حجم التعقيدات المرتبطة بالملف، وحاجة الطرفين إلى الوصول إلى صيغة تحافظ على المصالح المتبادلة، من دون إبقاء الوضع الذي تشكل خلال حقبة نظام الأسد البائد على حاله.

ويحمل الوصول إلى اتفاق برضى الدولتين دلالة سياسية مهمة، فالتحول في طبيعة الوجود الروسي لم يأت عبر مواجهة أو إجراءات أحادية الجانب، وإنما من خلال التفاوض المباشر، وهو ما يمنح الترتيبات الجديدة فرصة أكبر للاستمرار، ويضع العلاقة السورية ـ الروسية أمام قواعد أكثر وضوحاً من المرحلة السابقة.

استعادة المنشآت المدنية
تشكل استعادة الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني إحدى أبرز نتائج التفاهم، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بما يتيح إعادة إدماج هذه المنشآت تدريجياً في منظومة الإدارة والاستثمار المدني.

ولا تبدو هذه الخطوة إدارية فحسب، إذ تحمل مضموناً سيادياً واقتصادياً في آن واحد، فعودة منشآت استراتيجية إلى الإدارة السورية تعني توسيع قدرة مؤسسات الدولة على إدارة أصولها ومرافقها، والاستفادة منها ضمن احتياجات الاقتصاد والنقل والتجارة والطيران المدني، بدلاً من استمرار ارتباطها بالترتيبات العسكرية التي حكمت استخدامها خلال السنوات الماضية.

وقد بدأت بعض النتائج العملية لهذا المسار بالظهور، مع إعلان الهيئة العامة للمنافذ والجمارك التوصل إلى اتفاق لتسلم المواقع التجارية التي كان يشغلها الجانب الروسي في مرفأ طرطوس، وفي مقدمتها الرصيف رقم "4" بجميع مستودعاته والمنشآت التابعة له.

وتزامن ذلك مع إعلان الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي تسلم مطار اللاذقية الدولي، وبدء الفرق المختصة تقييم وضعه الفني والتشغيلي ومرافقه وأنظمته، تمهيداً لإعادة تأهيله ورفع جاهزيته وإعادته إلى منظومة الطيران المدني واستقبال الرحلات وفق المعايير المعتمدة.

من القواعد إلى مراكز التدريب
يحمل الجانب العسكري من الاتفاق تحولاً أكثر عمقاً في شكل العلاقة، إذ تقضي التفاهمات بإعادة صياغة وظيفة القواعد والمنشآت العسكرية الروسية، والانتقال بها من نموذج القواعد العسكرية بصيغته السابقة إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل.

ويعني ذلك أن القضية لا تتعلق بتغيير أسماء المنشآت، وإنما بإعادة تعريف وظيفتها وموقعها ضمن العلاقة بين البلدين، فالقاعدة العسكرية بصيغتها التقليدية ترتبط بوجود عملياتي مستقل واعتبارات عسكرية واستراتيجية واسعة، بينما تضع صيغة التدريب والتأهيل المشترك العلاقة في إطار مختلف، يقوم بصورة أكبر على التعاون بين مؤسسات الدولتين.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي أدته قاعدة حميميم خلال عهد نظام الأسد البائد، إذ شكلت منذ التدخل الروسي عام 2015 مركزاً رئيسياً للعمليات العسكرية الروسية، وانطلقت منها آلاف الطلعات الجوية التي استهدفت مناطق سورية عدة، وسقط خلالها آلاف المدنيين، ما جعل اسم القاعدة مرتبطاً بمرحلة دامية من الحرب في سوريا.

ثلاثة أشهر لترجمة الاتفاق
تتجاوز أهمية مذكرة التفاهم مضمونها السياسي إلى وجود جدول زمني لتنفيذها، إذ حدد الطرفان سقفاً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحول والدخول في الترتيبات الجديدة.

ويمنح هذا الجدول الاتفاق بعداً تنفيذياً، ويخرجه من دائرة البيانات السياسية المفتوحة إلى مسار يفترض أن تكون نتائجه قابلة للقياس على الأرض، سواء فيما يتعلق بإدارة المنشآت المدنية، أو إعادة تنظيم المنشآت العسكرية، أو تحديد طبيعة الدور الروسي في المرحلة المقبلة.

كما يقلص تحديد المهلة الزمنية مساحة الغموض التي أحاطت بمصير القواعد الروسية منذ سقوط نظام الأسد البائد، حين تعددت التقديرات بشأن مستقبل حميميم وطرطوس، وظهرت تحركات عسكرية ولوجستية روسية أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت موسكو تستعد للانسحاب أم لإعادة التموضع.

لا قطيعة مع موسكو
يكمن أحد أهم أبعاد الاتفاق في أنه لا يقدم العلاقة مع روسيا باعتبارها ملفاً يجب إنهاؤه، وإنما علاقة تحتاج إلى إعادة بناء وفق الواقع السوري الجديد، فالانتقال من القواعد العسكرية إلى مراكز التدريب، مع استعادة المنشآت المدنية، يشير إلى محاولة الفصل بين استمرار العلاقات بين الدولتين وبين استمرار الصيغة التي حكمت الوجود الروسي في عهد نظام الأسد البائد.

وهنا تظهر معادلة مختلفة، عنوانها أن الحفاظ على العلاقات والمصالح المشتركة لا يستوجب بالضرورة الإبقاء على الامتيازات والترتيبات السابقة، وفي المقابل، فإن استعادة سوريا إدارة منشآتها وإعادة تحديد وظيفة الوجود العسكري الروسي لا تعني بالضرورة الذهاب نحو خصومة سياسية مع موسكو.

اختبار للدبلوماسية السورية
يعكس الوصول إلى هذه الصيغة كذلك اختباراً مبكراً لقدرة الدبلوماسية السورية على معالجة الملفات التي خلفتها المرحلة السابقة، ولا سيما الملفات التي ترتبط بدول كبرى تمتلك مصالح استراتيجية وأوراق نفوذ متراكمة داخل سوريا.

ويقدم المسار التفاوضي في هذا السياق نموذجاً لمعالجة هذه القضايا عبر التفاوض المباشر، بدلاً من تركها عرضة للتصعيد أو الغموض، إذ استطاعت دمشق وموسكو بعد أشهر طويلة من المباحثات الوصول إلى أرضية مشتركة تعيد تنظيم العلاقة وتحفظ في الوقت ذاته قنوات التعاون بينهما.

علاقة مختلفة لا نهاية للعلاقة
يفتح اتفاق حميميم وطرطوس، في المحصلة، الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات السورية ـ الروسية، فالتحول الأساسي لا يكمن في خروج روسيا من المشهد السوري، بقدر ما يتمثل في إعادة تعريف موقعها وطبيعة وجودها ضمن قواعد مختلفة عن تلك التي تأسست في عهد نظام الأسد البائد.

ويضع الاتفاق أمام الدولة السورية فرصة لاستعادة إدارة منشآتها المدنية والاستراتيجية، وفي الوقت نفسه يتيح إعادة بناء العلاقة مع موسكو على قاعدة المصالح المتبادلة والتفاهم بين الدولتين، بدلاً من استمرار ترتيبات صنعتها ظروف الحرب والارتهان السياسي والعسكري للنظام السابق.

ويبقى نجاح هذه الصيغة مرتبطاً بما سيحدث خلال الأشهر الثلاثة المحددة للتنفيذ، فالمعيار الحقيقي لن يكون في مضمون مذكرة التفاهم وحده، وإنما في ترجمتها على الأرض، وفي قدرة الدولة السورية على تحويل استعادة المنشآت وإعادة تنظيم الوجود الروسي إلى نموذج أوسع لإدارة علاقاتها الخارجية، يقوم على سيادة القرار السوري، والمصالح المتبادلة، وإقامة شراكات لا تنتقص من قدرة الدولة على إدارة أراضيها ومؤسساتها.

 

الكاتب: أحمد نور الرسلان
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ