حين يصبح الطلاق لغةً للخلاف.. ماذا يبقى من علاقةٍ عمرها عقود؟
تجاوز رجل وامرأة، بعد عقود من العشرة، سؤال: "هل نحب بعضنا؟"، منذ أن قررا، في يوم مضى، أن يصيرا لبعضهما، تركا للسنوات أن تنسج بينهما حياةً كاملة، فتداخلت الأيام، وتراكمت الذكريات، وتشابكت المسؤوليات، حتى صار كل واحد منهما جزءاً من تعريف الآخر لنفسه وحياته، صارا أكثر من زوج وزوجة، كيانين ألف كل منهما الآخر حتى أصبح يتصرف على بداهة لا تحتاج إلى سؤال: هذا لي، وهذه لي، وهذا بيتي، وهذا الإنسان الذي اخترته رفيقاً لطريقي.
وفي مثل هذه العلاقات، لا تكون قيمة الاستمرار في عدد السنوات وحده، وإنما في ذلك الشعور العميق بأن الآخر صار من ثوابت الحياة، مثل البيت الذي تعود إليه، والوجه الذي تعرفه قبل أن يتكلم، واليد التي اعتدت وجودها إلى جوارك حتى لم تعد تفكر في أنها يمكن أن تغيب، ولذلك فإن التهديد المتكرر بالطلاق يهز تصوراً كاملاً للحياة تشكل على مدى سنوات طويلة.
حين تقول الزوجة، عند كل خلاف صغير: "أريد الطلاق"، قد ترى في عبارتها جملة عابرة خرجت في لحظة غضب، فيسمع الزوج فيها احتمالاً لم يكن يريد أن يفكر فيه، يسمع أن ما ظنه ثابتاً يمكن أن يصبح مؤقتاً، وأن ما اعتاد أن يعدّه من مسلّمات حياته قد يتحول، عند أول عاصفة، إلى شيء قابل للانتهاء.
ماذا يحدث حين يصبح الثابت مهدداً في كل خلاف؟
في المرة الأولى، يخاف الزوج. ليس خوفه من كلمة الطلاق بحد ذاتها، وإنما من سقوط اليقين الذي عاش عليه، فيسارع إلى الاحتواء، ويعتذر، ويشرح، ويتنازل، وربما يحمل نفسه فوق طاقتها كي يعيد الأمور إلى موضعها، يتصرف آنذاك كمن يحاول حماية بيت لا يريد أن يرى جدرانه تتصدع بسبب عاصفة عابرة.
لكن المشكلة تبدأ حين تصبح العاصفة عادة، فالإنسان يستطيع أن يتحمل الخوف إذا كان استثناءً، لكنه لا يستطيع أن يجعله نظاماً دائماً للحياة، ومع تكرار التهديد، يتغير شيء في داخله، لا يعود يسمع "أريد الطلاق" كحادثة استثنائية، بل كاحتمال متكرر، والاحتمالات المتكررة تتحول في النفس إلى واقع محتمل.
وهنا تبدأ الثقة بالاهتزاز، لا بمعنى أن الزوج يتهم زوجته بالكذب، وإنما بمعنى أعمق: يفقد ثقته في ثبات العلاقة، ويصبح غير واثق من أن ما اتفقا عليه ضمنياً قبل عقود ما زال قائماً اليوم، وإذا كانت سنوات طويلة من المشاركة يمكن أن توضع على حافة النهاية بسبب خلاف صغير، فما الذي بقي إذن من معنى ذلك العهد القديم؟
متى يبدأ الإنسان في حماية نفسه ممن اعتاد أن يكون مأمنه؟
حين يتكرر التهديد، يبدأ الزوج في مراقبة كلماته، لا يعود يدخل النقاش بعفوية الرجل الذي يشعر أن بيته مأمنه، بل بعقل الرجل الذي يحسب العواقب. هل أقول هذا؟ هل أعترض على ذاك؟ هل يمكن أن يتحول هذا النقاش إلى "إذن طلّقني"؟
وهنا يحدث شيء شديد الخطورة: يبدأ الإنسان في إدارة العلاقة بدل أن يعيشها، ويصبح همه ألا يستفز الموقف، لا أن يكون صريحاً، يختار الصمت لا لأنه مقتنع، وإنما لأنه مرهق، ويتنازل لا لأنه يرى التنازل عادلاً، وإنما لأنه يريد أن تنتهي الأزمة قبل أن تصل إلى العبارة التي بات يخشاها.
وقد يبدو هذا من الخارج استقرارًا. لا صراخ، لا مشاكل كبيرة، لا مشاجرات متكررة، لكن الهدوء الذي يأتي بعد أن يتعلم أحد الطرفين كبت نفسه ليس بالضرورة سلاماً، قد يكون مجرد انسحاب من المعركة.
والإنسان حين يضطر إلى كبت نفسه طويلاً داخل أقرب علاقاته، يبدأ في الانفصال عن العلاقة من الداخل، فليس المطلوب من الزواج أن يخلو من الخلاف، وإنما أن يكون الخلاف ممكناً دون أن يصبح وجود العلاقة نفسها موضع مساومة.
لماذا يتغير التعلق حين يفقد الإنسان الأمان؟
التعلق لا يعيش في الفراغ، إنه يحتاج إلى شعور بأن الآخر باقٍ، وأن وجوده ليس معلقاً على مزاج اللحظة، وعندما يهتز هذا الشعور مراراً، تبدأ النفس، بصورة دفاعية، في تخفيف مقدار تعلقها.
ليس قراراً واعياً من نوع: "سأتوقف عن التعلق"، إنها آلية أكثر هدوءاً من ذلك، يقل الانتظار، يقل القلق عند الغياب، يقل الانشغال بردود الفعل، وتصبح فكرة الحياة من دون الآخر أقل غرابة مما كانت عليه.
وهنا قد يصل الزوج إلى مرحلة مؤلمة: لا يعود يخاف من الطلاق كما كان يخافه سابقاً ،ليس لأنه قرر الرحيل، وليس لأنه لم يعد يرى قيمة السنوات التي عاشها، وإنما لأن النفس البشرية تتعلم التكيف مع ما يتكرر، وما كان مستحيل التصور في الأمس يصبح قابلاً للتصور في الغد، خصوصاً إذا تكرر التلويح به أمامها حتى صار جزءاً من المشهد.
وهل يمكن أن يبقى الرجل في البيت وقد غادر العلاقة من الداخل؟ نعم، وربما هذه هي المرحلة الأكثر التباساً والأشد قسوة، وقد يبقى الرجل في البيت، يؤدي واجباته، ينفق، يسأل، يرافق، يجلس مع الأسرة، يزور الأقارب، ويظهر أمام الناس بصورة الزوج نفسه الذي عرفوه طوال السنوات، لكن شيئًا داخله يكون قد تغير، لم يعد يفعل الأشياء نفسها بالدافع نفسه، وإنما لأنه يعرف أن الحياة لها مسؤوليات، وأن البيوت لا تُدار كلها بالعاطفة، وأن وراء كل قرار تاريخاً طويلاً وأبناء وذكريات ومصالح واعتبارات كثيرة.
وهنا تبدأ الحياة في اتخاذ شكل مسرحي غريب، لا أحد يكذب بالضرورة، لكن الجميع يؤدي دوره، الزوج يقوم بما يجب عليه، والزوجة تقوم بما يجب عليها، والبيت مستمر، والأيام تمضي، والصورة الخارجية سليمة، بينما تنكمش المساحة الداخلية التي كان فيها كل طرف يشعر أن الآخر جزء لا يتجزأ من كيانه.
قد يجلسان إلى المائدة نفسها، لكن كل واحد منهما يعيش في مكان نفسي مختلف، قد يتحدثان عن الأولاد والعمل والمصروف والمواعيد، لكن الأشياء التي كانت تُقال بلا تفكير تصبح أثقل من أن تُقال، وقد يستمر الاحترام، وتستمر المسؤولية، وتبقى الصحبة، لكن ذلك الشعور القديم بأن "هذا الإنسان لي، وأنا له" يبدأ في التراجع أمام سؤال أكثر قسوة: "إلى متى سيبقى هذا الإنسان لي؟"