البيئة الاستثمارية في سوريا
البيئة الاستثمارية في سوريا
● آراء ومقالات ٢٠ يوليو ٢٠٢٦

المستثمر لا يقرأ القانون كما يقرأه المحامي

كلما دار الحديث عن تحسين البيئة الاستثمارية، يتجه النقاش سريعًا نحو القوانين والتشريعات الجديدة وكأن الاستثمار يبدأ من النصوص وينتهي عندها.

لكن المستثمر لا يدخل أي سوق لأنه أعجب بقانونٍ ما 

ما يبحث عنه في النهاية ليس جودة النص بل إمكانية الاعتماد عليه.

فالمحامي يقرأ القانون ليحدد معناه أما المستثمر فيقرأه ليحدد نتيجته وهذان مساران مختلفان في الفهم والغاية

النص كبداية والممارسة كفيصل

في العمل القانوني يُعد النص المرجع النهائي أما في الاستثمار فالنص ليس سوى نقطة البداية وما يحدد القرار الاستثماري فعليًا هو ما يحدث بعد ذلك: كيف يتحول القانون إلى قرار؟ وكيف يتحول القرار إلى ممارسة؟ وهل تنتج هذه الممارسة نتائج يمكن التنبؤ بها؟

قد يكون القانون متقدمًا من حيث الصياغة، واضحًا في أحكامه، ومتماسكًا في بنيته لكن إذا أُنتجت عنه نتائج مختلفة باختلاف الجهة أو التوقيت أو أسلوب التفسير، فإنه يفقد أهم قيمة اقتصادية يمكن أن يوفرها: اليقين

فالاستثمار لا يُبنى على النصوص وحدها، بل على قابلية التنبؤ بسلوك المؤسسات التي تطبق هذه النصوص.

وعلى سبيل المثال تظهر هذه الفجوة جلياً في الإجراءات اللوجستية والمالية فقد يمنح القانون إعفاءً جمركياً واضحاً لمدخلات إنتاج معينة، ولكن عند التطبيق العملي على المنافذ، يواجه المستثمر تفسيرات متباينة لتصنيف تلك المواد، مما يربك حسابات التكلفة والجدوى الاقتصادية للمشروع بأكمله قبل أن يبدأ فعلياً

وهنا تظهر الإشكالية الحقيقية ليست في القانون ذاته، بل فيما يمكن تسميته بـ«هندسة التطبيق» أي الطريقة التي يُفهم بها القانون داخل الجهاز التنفيذي، وكيف يُترجم إلى قرارات عملية

وتزداد أهمية هذه المسألة في الاقتصادات التي تمر بمرحلة إعادة بناء أو تحول اقتصادي، حيث يكون إصدار التشريعات الجديدة أسرع بكثير من ترسيخ الممارسات المؤسسية المستقرة. فالقوانين يمكن أن تتغير خلال أشهر، أما الثقة فتحتاج إلى وقت أطول لتتشكل

وفي مثل هذه المراحل الانتقالية، تصبح القدرة على بناء الثقة المؤسسية عاملًا اقتصاديًا بحد ذاته. فالمستثمر لا يقيّم حجم الفرص المتاحة فقط، بل يقارن بين حجم الفرصة ومستوى اليقين المرتبط بها. ولهذا فإن استقرار التطبيق واتساق القرار الإداري لا يقلان أهمية عن الحوافز والتسهيلات التي تقدمها القوانين نفسها

في بعض الحالات، ينص القانون على حوافز واضحة لمشروعات محددة، لكن اختلاف الجهات المعنية في تفسير شروط الاستفادة منها يؤدي إلى نتائج متباينة رغم تشابه الوقائع. عندها لا يعود النص هو العامل الحاسم، بل طريقة تطبيقه

المسألة لا تتعلق بكمال القانون، بل بدرجة استقرار تطبيقه. فالقانون الذي لا ينتج النتيجة نفسها عند تطبيقه على حالتين متشابهتين، هو قانون لم يكتمل بعد من منظور استثماري، مهما بلغت جودة صياغته

ركائز اليقين القانوني لدى المستثمر

لا يقيم المستثمر البيئة القانونية من خلال عدد القوانين أو حداثة نصوصها، بل من خلال اتساق نتائجها. فهو لا يطلب نظامًا مثاليًا، ولا بيئة خالية من التحديات، بل يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار في ثلاثة أمور أساسية: كيف يُفسَّر القانون؟ كيف يُطبَّق؟ وكيف يُحسم الخلاف عند اختلاف التفسير؟

غياب هذا الحد الأدنى لا يمنع الاستثمار بالضرورة، لكنه يرفع تكلفة القرار ويزيد من هامش المخاطر. وفي عالم الاستثمار، كثيرًا ما تكون القدرة على توقع النتيجة أكثر أهمية من مضمون النتيجة نفسها

ولهذا، فإن القانون الجيد في نظر المستثمر ليس الأكثر تفصيلًا أو الأكثر صرامة، بل القانون الذي يُنتج أثرًا ثابتًا يمكن توقعه عبر الزمن والحالات المختلفة. فالاستثمار، في جوهره، ليس قرارًا قانونيًا بقدر ما هو قرار مبني على درجة اليقين داخل النظام القانوني.

كيف نبني «هندسة التطبيق»؟

إن علاج هذه الفجوة لا يكمن في إنتاج المزيد من التشريعات، بل في إعادة صياغة العلاقة بين النص والموظف المنفذ له. ويتطلب ذلك اتخاذ خطوات عملية واضحة:

أولاً: إلزام الجهات الحكومية بإصدار (أدلة تفسيرية موحدة)ومتاحة للعامة، تُغلق الباب أمام الاجتهادات الفردية وتوحد معايير اتخاذ القرار

 ثانياً: تفعيل الرقابة اللاحقة والتدقيق على القرارات الإدارية لضمان عدم خروجها عن فلسفة القانون ومقاصده الاستثمارية. ثالثاً: تسريع وتيرة التحول الرقمي وأتمتة الخدمات الاستثمارية؛ إذ إن رقمنة الإجراءات لا تسهّل المعاملات فحسب، بل تُقصي العنصر البشري وتحد من تباين التفسيرات والآراء الشخصية في تطبيق القوانين

ولهذا السبب، أصبحت مسألة اليقين القانوني أحد المؤشرات الأساسية التي تعتمدها المؤسسات المالية الدولية وصناديق الاستثمار عند تقييم الأسواق الناشئة فالتجارب الاقتصادية الحديثة أثبتت أن رأس المال يستطيع التعايش مع مستويات مختلفة من المخاطر السياسية أو الاقتصادية، لكنه يتردد كثيرًا أمام البيئات التي يصعب فيها توقع كيفية تطبيق القواعد أو استقرارها بمرور الوقت

ومن هنا، فإن بناء الثقة الاستثمارية لا يبدأ فقط من تحديث التشريعات، بل من ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل تطبيق القانون أكثر اتساقًا ووضوحًا وقابلية للتنبؤ.

وفي النهاية، لا تُختبر القوانين عندما تصدر بشكل رسمي، بل عندما يقرر أول مستثمر أن يبني قراره عليها

هناك فقط يتبين الفرق بين نص قانوني جيد… وبيئة قانونية جديرة بالاستثمار

الكاتب: المحامي أحمد إبراهيم
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ