حراك الشارع السوري بين التضامن المشروع ومحاولات التوظيف السياسي المشبوه
تشهد الساحة السورية في الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الفعاليات الشعبية والوقفات الاحتجاجية التي تباينت في شعاراتها ومطالبها، وتصدّرت واجهتها عناوين مرتبطة بالتضامن مع القضية الفلسطينية أو الاعتراض على تطورات إقليمية.
إلا أن هذا الحراك، الذي يبدو في ظاهره تعبيراً شعبياً مشروعاً، أثار في مضمونه موجة واسعة من الجدل، خاصة مع رصد حضور شخصيات مرتبطة بالنظام البائد ضمن بعض هذه التحركات ما دفع نشطاء ومراقبين إلى دق ناقوس الخطر والتحذير من محاولات استغلال الشارع السوري لتحقيق أجندات خفية.
في خضم هذه التطورات، برزت مؤشرات واضحة على تورط أفراد وشخصيات عُرفت سابقاً بولائها للنظام المخلوع، حيث لم يقتصر دورهم على المشاركة في الاحتجاجات، بل تجاوز ذلك إلى التحريض المباشر على مهاجمة بعثات دبلوماسية داخل سوريا.
وجرى رصد هؤلاء الأشخاص في مقدمة المشهد خلال حادثة الاعتداء على السفارة الإماراتية في دمشق، وهي الحادثة التي تعاملت معها وزارة الداخلية بحزم، مؤكدة توقيف المتورطين وبدء الإجراءات القانونية بحقهم، مع التشديد على أن أمن البعثات الدبلوماسية خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
القراءات التي قدمها نشطاء وكتّاب وصحفيون حول خلفيات هذه التحركات أجمعت على وجود محاولات ممنهجة لخلط الأوراق واستغلال القضايا العادلة لتحقيق أهداف سياسية مشبوهة.
الصحفي ماجد عبد النور تساءل بوضوح عن الجهة التي تقف خلف تحريك هذه الجموع في هذا التوقيت الحساس، مشيراً إلى أن تزامن هذه الفعاليات مع تصاعد العدوان الإسرائيلي يثير الشكوك، واعتبر أن رائحة إيران تطوف في الأجواء، في إشارة إلى احتمال توظيف القضية الفلسطينية لاستدراج سوريا إلى صراعات جديدة.
من جانبه، أكد الصحفي غسان ياسين أن التظاهر الداعم لغزة ليس ظاهرة طارئة في سوريا، بل هو امتداد طبيعي لموقف شعبي راسخ منذ سنوات الثورة، إلا أنه حذّر من استغلال هذه المساحة لإحداث فوضى أو إيصال رسائل مضللة توحي بوجود توجهات تصعيدية غير منضبطة، مشدداً على أن الكلمة الفصل في القضايا السيادية يجب أن تبقى بيد مؤسسات الدولة.
وفي سياق التحذيرات الأمنية، شدد الباحث عباس شريفة على أن التعامل مع مثل هذه الحالات لا يحتمل التراخي أو حسن النية، داعياً إلى الحسم في مواجهة مثيري الشغب، معتبراً أن سوريا لا يمكن أن تتحول مجدداً إلى ساحة لتكرار تجارب الفوضى.
هذا الطرح تلاقى مع مواقف أخرى عبّر عنها ناشطون رأوا أن ما يجري يحمل ملامح انزلاق نحو أجندات محور الممانعة، وهو ما عبّر عنه شازار الزعبي بتساؤله عن دور الحكومة في ضبط هذا المسار.
في حين عبر أنور الأصيل عن دعمه للتظاهر والتضامن مع القضية الفلسطينية، لكنه رفض بشكل قاطع محاولات الزج بسوريا في محاور إقليمية أو الدعوة إلى تصعيد عسكري غير محسوب، محذراً من استغلال العاطفة الشعبية لتنفيذ أجندات خارجية.
كما شدد زياد أحمد على ضرورة الضرب بيد من حديد لكل من يحاول العبث بالأمن والاستقرار، معتبراً أن القضية الفلسطينية لا يجوز أن تكون غطاءً لمشاريع تخريبية.
وقدمت الناشطة ميادة كريم موقفاً حاداً تجاه محاولات إعادة إنتاج الخطاب القديم، معتبرة أن عودة الوجوه المرتبطة بالنظام البائد تحت شعارات جديدة تمثل استخفافاً بدماء السوريين، ومؤكدة أن سوريا لن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو منصة لمشاريع خارجية، فيما ذهب رياض الشبلي إلى تحميل ما وصفه بـ"محور الممانعة" مسؤولية الهجمات على السفارات، معتبراً أن الهدف هو جر البلاد إلى صراع إقليمي.
وكشف السياسي "محمد علوش"، عن معطيات تشير إلى تورط مجموعات مرتبطة بأحمد جبريل، "الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" في بعض هذه الأعمال، لافتاً إلى أن هذه المجموعات كانت من الداعمين للنظام السابق وشاركت في القتال إلى جانبه، ما يعزز فرضية وجود امتدادات منظمة تقف خلف بعض التحركات.
كما تداول ناشطون أمثلة ميدانية على تناقضات لافتة في سلوك بعض المشاركين، من بينها ظهور أشخاص في فعاليات متعددة بخطابات متبدلة، ما اعتُبر دليلاً إضافياً على وجود محاولات توجيه وتوظيف للحراك الشعبي بما يخدم أهدافاً غير معلنة.
في ضوء هذه المعطيات، تتجه الأنظار إلى الإجراءات التي أعلنت عنها وزارة الداخلية، والتي تشمل إعداد مسودة قرار لتنظيم المظاهرات والفعاليات الشعبية، في خطوة أكدت أنها ذات طابع تنظيمي بحت وليست تقييدية، وتهدف إلى حماية الاستقرار ومنع استغلال الشارع.
كما شددت الوزارة على ضرورة التفريق بين التعبير المشروع عن التضامن مع القضايا العادلة، وبين التحركات المرتبطة بفلول النظام البائد أو الجهات الساعية إلى عزل سوريا وعرقلة مسارها.
وتعتزم الداخلية إطلاق مسودّة قرار لتنظيم المظاهرات والحركات الشعبية ونوهت أن بعض المسيئين والمشغبين يريدون الإساءة للعمق العربي ولتحركات سوريا نحو المستقبل ويجب ضبطهم والتعامل معهم بحزم.