المفتي العام الشيخ أسامة الرفاعي يدعو إلى العدالة المنضبطة ويحذر من الفوضى والانتقام الفردي
دعا المفتي العام للجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي، في كلمة بعنوان “بين العدالة والفوضى”، أبناء الشعب السوري إلى التزام الهدوء والسكينة، وترك مسار محاسبة المتورطين بجرائم حقبة النظام البائد للدولة ومؤسساتها، محذرًا من أن تتحول المطالبات الشعبية المشروعة إلى مظاهرات أو تجمعات غير منضبطة تفتح باب فتنة لا يعرف السوريون مآلاتها.
دعوة إلى ضبط المطالب الشعبية
قال الشيخ الرفاعي إن السوريين صبروا، ابتغاء وجه الله، ستين عامًا تحت “مطارق الظلم والبغي والعدوان” التي مارسها النظام السابق البائد، وأزلامه وجنده، والقوى التي استعان بها في محاربة الشعب، معتبرًا أن تلك المرحلة أنزلت بالسوريين بلاءً مريرًا، قبل أن يتداركهم الله، وفق تعبيره، بالفرج والنصر والفتح، وإزالة ذلك النظام واقتلاعه وما كان يعتمد عليه من وسائل.
وأضاف أن الألم الذي خلّفته تلك الحقبة لا يزال حاضرًا في قلوب السوريين، مشيرًا إلى فقدان البلاد أعدادًا كبيرة من الشباب والرجال والنساء والأطفال، وقدّرهم بمئات الآلاف، قائلاً إنهم قاربوا المليونين من أبناء الشعب السوري. واعتبر أن هذا الجرح لا يخص عائلات الضحايا وحدهم، بل يشمل عموم السوريين الذين عاشوا آثار تلك السنوات الطويلة.
وأكد الرفاعي أن التجمعات والمظاهرات تبقى مقبولة عندما تكون منضبطة تمامًا، وتطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية، أو بالإسراع في إنزال العقوبة المناسبة بالمجرمين الذين جرى اعتقالهم، موضحًا أن أهل العقل والحكمة والفهم لا يعترضون على هذه المطالب إذا بقيت ضمن حدود القانون والانضباط.
تحذير من الانتقام خارج القانون
حذر الشيخ الرفاعي من أن تتحول التجمعات أو المظاهرات إلى تحركات غير منضبطة، أو أن يتولى الناس الانتقام والثأر بأيديهم، معتبرًا أن ذلك يفتح بابًا واسعًا للفوضى والفتنة. واستشهد بالآية القرآنية: “ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا”، قائلًا إن الله وعد بنصرة المظلوم ومعاقبة الظالم، لكنه نهى في الوقت نفسه عن الإسراف في القتل.
وأوضح أن معنى هذا التوجيه، بحسب كلمته، أن ولي المقتول المظلوم لا ينبغي له أن يمارس الانتقام بنفسه، أو عبر حركات غير منظمة، بل عليه أن يكل الأمر إلى ولي الأمر، لأن الدولة تمتلك القوة والحكمة والقدرة على التصرف الموزون في هذه القضايا، بخلاف الجماهير عندما تخرج في حالة انفعال أو تُترك لها مهمة تنفيذ العقوبات.
وشدد على أن ترك الحدود والعقوبات للناس ينشئ فوضى داخل المجتمع، قد تنتهي إلى فتنة كبيرة يعرف السوريون بدايتها ولا يستطيعون معرفة نهايتها، داعيًا الله أن يتولى المجتمع السوري وأبناءه وبناته وفتياته بعنايته ورحمته ولطفه، وأن يقي البلاد الفتن ما ظهر منها وما بطن.
ثقة بالحكومة ومطالبة بتسريع العدالة الانتقالية
أكد المفتي العام ضرورة الالتزام بتوجيهات الدولة وعدم الخروج عن القانون أو المألوف، معربًا عن أمله بالحكومة السورية، ومشددًا على ثقته بأن القائمين على إدارة البلاد سيطبقون العدالة الانتقالية. وقال إن المسؤولين الحاليين خرجوا من رحم الشعب ومن رحم المعاناة التي عاشتها الأمة، ولا يمكن تصور تقصيرهم في هذا الملف، على حد تعبيره.
وفي الوقت نفسه، دعا الرفاعي الحكومة القائمة إلى التعجيل في مسار العدالة، بما يبرد قلوب المتأثرين والمنفعلين ممن طُعنوا في صميم قلوبهم بسبب الجرائم التي وقعت بحق أبناء الشعب السوري. وطالب بالإسراع في العدالة القانونية ومعاقبة المجرمين الذين سفكوا دماء السوريين، مؤكدًا أن اعتقال عدد كبير منهم ووجودهم في قبضة العدالة يهدئ النفوس إلى حد ما، لكن إنزال العقوبة المناسبة بحقهم هو ما ينهي المعاناة ويعيد الأمور إلى طبيعتها.
وأضاف أن السوريين ينتظرون نصرة المظلوم من الله أولًا، ثم من القائمين على ولاية الأمر في هذا البلد، داعيًا إلى التعجيل في الإجراءات حتى تهدأ نفوس الناس وترتاح إلى عدالة كاملة ترضي الله، وفق تعبيره.
مخاوف من أياد تسعى لإشعال الفتنة
جدد الشيخ الرفاعي مطالبته بالهدوء والسكينة والرضا بما يقدره الله على أيدي المسؤولين عن تنظيم هذه الملفات، ولا سيما ملف إنزال العقوبة بالمجرمين الذين سفكوا دماء السوريين. وحذر من التصرفات غير المدروسة، ومن احتمال وجود أياد خلف بعض المظاهرات والتجمعات غير المنضبطة، تريد إثارة الفتنة وبعثرة جهود الشعب وإظهار عدم انضباطه.
وقال إن “الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها”، داعيًا السوريين إلى ألا يكونوا جنودًا لأصحاب الفتن، ولا وقودًا بين أيديهم لإشعال البلايا داخل صفوف الشعب. وختم كلمته بالدعاء للسوريين بالتأييد من الله، وبأن يعين الحكومة على تسريع العدالة الانتقالية وإنزال العقوبة بالمجرمين، حتى تنتهي هذه المرحلة وتهدأ النفوس، مختتمًا بالسلام والتحية