إلغاء محكمة قضايا الإرهاب يفتح ملف آلاف الأحكام في سوريا.. حقوقيون وقانونيون يترقبون استعادة الحقوق والممتلكات
إلغاء محكمة قضايا الإرهاب يفتح ملف آلاف الأحكام في سوريا.. حقوقيون وقانونيون يترقبون استعادة الحقوق والممتلكات
● محليات ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦

إلغاء محكمة قضايا الإرهاب يفتح ملف آلاف الأحكام في سوريا.. حقوقيون وقانونيون يترقبون استعادة الحقوق والممتلكات

أثار إقرار مجلس الشعب السوري مشروع قانون إلغاء محكمة قضايا الإرهاب وإلغاء مفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة عنها تفاعلاً في الأوساط الحقوقية والقانونية، وسط ترحيب بإنهاء إحدى أبرز مؤسسات القضاء الاستثنائي التي ارتبطت خلال عهد نظام الأسد البائد بملاحقة معارضين وناشطين، مقابل تركيز واضح على المرحلة التالية المتعلقة بالأحكام والقيود الأمنية والسجلات والممتلكات المصادرة وحقوق المتضررين.

وأقر مجلس الشعب مشروع القانون المتعلق بإلغاء القانون رقم 22 لعام 2012، الذي أُحدثت بموجبه محكمة قضايا الإرهاب، مع إسناد معالجة مفاعيل الأحكام الجائرة إلى مجلس القضاء الأعلى واللجان القضائية المختصة، بما يشمل رد الممتلكات المصادرة ومعالجة الدعاوى القائمة وفق وضع كل ملف.

فضل عبد الغني: الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الإلغاء

وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، إن إلغاء المحكمة يمثل "استحقاقاً دستورياً وحقوقياً ضرورياً"، لكنه شدد على أن إنهاء وجودها لا يعني إغلاق الملف، معتبراً أن الاختبار الفعلي سيكون في قدرة المؤسسات المعنية على إزالة النتائج التي تركتها أحكام المحكمة في حياة المتضررين.

وأوضح عبد الغني أن آخر تقرير تخصصي للشبكة حول محكمة قضايا الإرهاب، الصادر في تشرين الأول 2020، قدّر عدد الأشخاص الذين كانوا لا يزالون خاضعين لها آنذاك بما لا يقل عن 10,767 شخصاً، فيما قدر عدد القضايا التي نظرت فيها بنحو 90,560 قضية، إلى جانب توثيق 3,970 حالة حجز على الممتلكات حتى ذلك التاريخ، مؤكداً أن هذه الأرقام مرتبطة بتاريخ التوثيق ولا تمثل إحصاءً محدثاً لعام 2026.

ونبه إلى ضرورة عدم الخلط بين هذه الأرقام وبين عشرات آلاف قرارات الحجز والمصادرة التي طالت السوريين خلال الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2024، موضحاً أن الأخيرة ارتبطت بمنظومة قانونية وأمنية أوسع خلال عهد نظام الأسد البائد، ولا يمكن نسبتها جميعاً إلى محكمة قضايا الإرهاب.

وأشار عبد الغني إلى أن إزالة مفاعيل الأحكام ينبغي أن تمتد إلى الإدانة والعقوبات ومذكرات البحث ومنع السفر والقيود الأمنية والسجلات العدلية والآثار الإدارية والوظيفية والمالية والعقارية، موضحاً أن وقف العقوبة وحده لا يعالج الضرر إذا بقي الحكم مسجلاً أو استمرت القيود الناتجة عنه.

وشدد على أن ملف الممتلكات سيكون من أكثر الملفات تعقيداً، لأن رفع الحجز لا يعني بالضرورة عودة الملكية إلى صاحبها، خصوصاً إذا جرى نقل العقار أو بيعه أو تغير وضعه القانوني، ما يستدعي آلية تراعي حقوق المالكين والورثة والأطراف الثالثة، وتتيح التعويض عندما يتعذر رد الحق عيناً.

ودعا عبد الغني كذلك إلى الحفاظ على أرشيف المحكمة وعدم إتلاف ملفاتها، باعتبارها قد تحتوي على وثائق وأدلة مرتبطة بانتهاكات وقعت خلال فترة عملها، مع ضرورة الفصل بين إبطال الأحكام الجائرة وبين إسقاط المسؤولية عن جرائم فعلية قد تتضمنها بعض الملفات، إذ يمكن التحقيق فيها مجدداً متى توفرت أدلة مستقلة ومشروعة.

المعتصم بالله الكيلاني: فرق بين إلغاء المحكمة وإلغاء مفاعيل أحكامها

وقال المحامي والباحث القانوني المعتصم بالله الكيلاني، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن الخطوة ينبغي قراءتها ضمن مسار تفكيك منظومة قضائية استثنائية استُخدمت خلال السنوات الماضية في ملاحقة أعداد كبيرة من السوريين، وترتيب آثار جزائية ومدنية ومالية على الأحكام الصادرة عنها.

وأوضح الكيلاني أن هناك فارقاً قانونياً أساسياً بين إلغاء المحكمة وإلغاء مفاعيل الأحكام، فإلغاء القانون رقم 22 لعام 2012 ينهي وجود المحكمة واختصاصها بالنسبة إلى المستقبل، بينما تتجه إزالة المفاعيل إلى معالجة الماضي، ومحاولة إعادة المركز القانوني للمتضررين، قدر الإمكان، إلى الوضع الذي كان ينبغي أن يكون عليه لولا الحكم الجائر.

وأشار إلى أن هذه المعالجة تختلف عن العفو العام، لأن العفو يفترض من حيث الأصل وجود حكم أو مسؤولية جزائية ثم يرتب سقوط العقوبة أو بعض آثارها وفق شروطه، بينما تنطلق إزالة مفاعيل الأحكام الجائرة من معالجة الخلل الذي أصاب الحكم أو المنظومة القضائية التي أنتجته.

وربط الكيلاني الخطوة بالمادة 48 من الإعلان الدستوري السوري، التي نصت على إلغاء القوانين الاستثنائية التي ألحقت ضرراً بالشعب السوري وتتعارض مع حقوق الإنسان، وإلغاء مفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة عن محكمة قضايا الإرهاب، بما في ذلك رد الممتلكات المصادرة، إضافة إلى المادة 44 التي تحظر إنشاء المحاكم الاستثنائية، والمادة 43 المتعلقة باستقلال السلطة القضائية.

وأوضح أن التطبيق العملي لإلغاء المفاعيل يفترض أن يصل إلى مختلف الجهات والسجلات التي تأثرت بأحكام المحكمة، بما يشمل مذكرات البحث والتوقيف والقيود القضائية والسجلات ذات الصلة، إضافة إلى الحجز والمصادرة ونقل الملكية وغيرها من النتائج التي كان الحكم سبباً قانونياً مباشراً فيها.

وأكد الكيلاني أهمية توثيق أصحاب الحقوق لملفاتهم وعدم الاكتفاء بصدور قرار الإلغاء، من خلال جمع الأحكام وقرارات الاتهام ومذكرات البحث والتوقيف ووثائق الاعتقال والإفراج وقرارات الحجز والمصادرة، إلى جانب وثائق الملكية والقيود العقارية والوكالات والوثائق المدنية.

وشدد على أن استعادة العقارات تحتاج إلى معرفة الوضع القانوني الحالي لكل ملكية، وما إذا كان الإجراء اقتصر على الحجز، أو وصل إلى المصادرة، أو انتقلت الملكية إلى الدولة، أو جرى التصرف بها لاحقاً، لأن اختلاف هذه الحالات يعني اختلاف المسار القانوني المطلوب لاستعادة الحق.

نور عربو: مسار معالجة الأحكام بدأ بالفعل

وقالت نور عبد الغني عربو "نور الخطيب"، الباحثة في مجال القانون وحقوق الإنسان وعضو مجلس الشعب، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن مجلس الشعب أقر مشروع القانون المتعلق بإلغاء القانون رقم 22 لعام 2012، موضحة أن المحكمة التي أحدثها القانون جاءت بعد نحو عام من انطلاق الثورة السورية، وبعد إلغاء محكمة أمن الدولة العليا.

وأشارت عربو إلى أن المحكمة استخدمت خلال عهد نظام الأسد البائد في ملاحقة أشكال مختلفة من المعارضة ووصم معارضين بتهم الإرهاب والانتماء إلى مجموعات متطرفة، كما أصدرت آلاف الأحكام التي وصفتها بالجائرة، وترتب على بعضها مصادرة أموال وممتلكات، في ظل إجراءات قالت إنها لم توفر ضمانات المحاكمة العادلة.

وكشفت أن معالجة هذه الأحكام بدأت قبل إقرار مشروع القانون، إذ شكلت وزارة العدل لجنة قضائية من ثلاثة قضاة لدراسة الأحكام الصادرة عن محكمة قضايا الإرهاب وغيرها من المحاكم الاستثنائية، والتدقيق فيها والاستعانة بذوي الاختصاص والخبرة، قبل إعداد قوائم بالأحكام التي اعتُبرت جائرة ورفعها إلى مجلس القضاء الأعلى.

وذكرت عربو أن مجلس القضاء الأعلى صادق، وفق الأسباب الموجبة للمشروع، على إلغاء مفاعيل الأحكام المحددة ورد الممتلكات المصادرة بموجبها، فيما أرسلت القرارات إلى النائب العام للجمهورية لتنفيذها عن طريق وزير العدل، ليأتي مشروع القانون لاحقاً ويوفر أساساً تشريعياً عاماً لهذه المعالجة.

وأوضحت أن القانون ينظم أيضاً مصير الدعاوى القائمة، من خلال لجان قضائية مختصة يشكلها مجلس القضاء الأعلى وتتولى التعامل مع الملفات، سواء بحفظ الدعوى أو إحالتها إلى المرجع القضائي المختص وفق طبيعة كل حالة.

إعفاء المتضررين من رسوم استعادة الملكية

وبيّنت عربو أن المادة الثالثة عالجت الجانب المالي المتصل بإعادة الممتلكات، إذ تضمنت إعفاء الأشخاص الذين تعاد إليهم الأموال المصادرة، وفق الحالات المحددة في القانون، من الضرائب والرسوم والتكاليف المترتبة على إجراءات إعادة نقل الملكية.

وأكدت أن تنفيذ القانون سيستكمل مساراً قضائياً بدأ قبل إقراره، فيما سيكون مجلس القضاء الأعلى مسؤولاً عن تشكيل اللجان المختصة ومتابعة الملفات، بالتوازي مع تنفيذ إجراءات رد الممتلكات وتطبيق الإعفاءات التي نص عليها التشريع.

ويظهر من تصريحات عبد الغني والكيلاني وعربو تقاطع في التركيز على أن المرحلة الأهم ستتمثل في معالجة إرث المحكمة على أرض الواقع، بدءاً من الأحكام والقيود والسجلات، مروراً بالممتلكات والحقوق المالية، وصولاً إلى أوضاع اللاجئين والورثة وذوي المختفين والمتوفين الذين قد تكون أحكام المحكمة قد مست حقوقهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ويفتح إلغاء محكمة قضايا الإرهاب بذلك ملفاً قضائياً وحقوقياً واسعاً يتجاوز إنهاء وجود المحكمة، فيما ستحدد آليات التنفيذ وعمل مجلس القضاء الأعلى واللجان القضائية حجم الأثر الذي سيتركه التشريع في استعادة حقوق المتضررين، ومعالجة إرث إحدى مؤسسات القضاء الاستثنائي التي استخدمها نظام الأسد البائد خلال سنوات الثورة والحرب في سوريا.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ