إغلاق مخيم الهول
إغلاق مخيم الهول
● محليات ٢٣ فبراير ٢٠٢٦

إغلاق مخيم الهول يطوي صفحة معقدة من ملف عائلات “داعش”

جاء إعلان إغلاق الحكومة السورية في 22 شباط 2026 مخيم الهول بمحافظة الحسكة، بعد إتمام إخلائه بالكامل من آخر المقيمين فيه، لتطوي بذلك صفحة أحد أكثر الملفات الأمنية والإنسانية تعقيداً، وهو المخيم الذي ضم عائلات مقاتلي تنظيم “داعش” إلى جانب نازحين مدنيين، وبات يوصف طويلاً بأنه “قنبلة موقوتة”.

بحسب ما أعلنه مدير المخيم فادي القاسم، جرى نقل جميع العائلات السورية وغير السورية، مع إعداد خطط تنموية وبرامج لإعادة الدمج بعيداً عن التغطية الإعلامية، فيما أكدت منظمات إنسانية أنها أخلت فرقها وفككت تجهيزاتها داخل المخيم، في مؤشر واضح على إنهاء المرحلة السابقة بكل تفاصيلها الإدارية واللوجستية.

شكّل مخيم الهول لسنوات بؤرة أمنية حساسة، ضمّ نحو 24 ألف شخص في ذروة وجوده، بينهم قرابة 15 ألف سوري، إضافة إلى آلاف النساء والأطفال الأجانب من عشرات الجنسيات، كثير من دولهم رفضت استعادتهم، وقد ارتبط اسم المخيم بعمليات اغتيال داخلية، ونشاط خلايا متشددة، ومخاوف دائمة من إعادة إنتاج الفكر المتطرف.

إغلاق المخيم يعني عملياً الانتقال من سياسة الاحتواء في مساحة مغلقة إلى سياسة التفكيك وإعادة التوزيع، سواء عبر نقل العائلات إلى مخيمات أخرى شمالي البلاد، أو عبر برامج إعادة دمج اجتماعي، وهو تحول جوهري في مقاربة هذا الملف.

ويشكّل الإغلاق رسالة سياسية للخارج، مفادها أن الدولة باتت تمسك بملف طالما شكّل مصدر قلق دولي، خصوصاً في ظل التحذيرات المتكررة من عودة تنظيم “داعش” بعد إعلان هزيمته عسكرياً عام 2019 في العراق وسوريا.

غير أن تفكيك الخيام لا يعني انتهاء المشكلة، فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد الإغلاق، إذ يحتاج آلاف النساء والأطفال إلى برامج دعم نفسي واجتماعي، وإعادة تأهيل مدروسة تمنع انتقال التطرف من بيئة المخيم إلى بيئات جديدة.

ولعل نجاح هذه المرحلة يتطلب مزيجاً من الحزم القانوني والاحتواء الاجتماعي، بما يحقق التوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات العدالة وحقوق الإنسان، خاصة في ظل الحديث عن استمرار مسارات المحاسبة القضائية بحق المتورطين بجرائم جسيمة.

وكان تأسس مخيم الهول عام 1991 لاستقبال اللاجئين العراقيين الفارين من حرب الخليج الثانية، قبل أن يُعاد تشغيله مجدداً عام 2003 عقب الغزو الأميركي للعراق، لاستيعاب موجة نزوح جديدة عبر الحدود.

وكانت أعادت قوات “قسد” افتتاح المخيم في أبريل/نيسان 2016 ليكون مركز إيواء لآلاف النازحين الفارين من مناطق سيطرة تنظيم “الدولة”، إلا أن طبيعته تغيّرت جذرياً بعد عام 2019، مع انهيار آخر معاقل التنظيم في بلدة الباغوز.

شهد المخيم خلال أشهر قليلة انفجاراً سكانياً، إذ ارتفع عدد القاطنين فيه من نحو 10 آلاف مطلع عام 2019 إلى أكثر من 74 ألفاً بحلول أبريل/نيسان من العام نفسه، غالبيتهم من النساء والأطفال، نتيجة تدفق عائلات مقاتلي التنظيم بعد الهزائم المتتالية التي مُني بها.

حتى يونيو/حزيران 2025، كان المخيم يضم قرابة 37 ألف شخص، معظمهم من السوريين والعراقيين، إلى جانب نحو 6500 أجنبي من 42 جنسية مختلفة، بينهم أوروبيون وآسيويون، في تركيبة سكانية معقدة عكست الطابع الدولي لملف التنظيم.

وعانى سكان المخيم من ظروف إنسانية قاسية نتيجة الاكتظاظ وضعف البنية التحتية، وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية، وفق تقارير أممية، وافتقرت البيئة داخل المخيم إلى الرعاية الصحية الكافية والمياه الصالحة للشرب والتعليم والحماية، وانتشرت بين الأطفال أمراض سوء التغذية والإسهال الحاد، في ظل محدودية المرافق الطبية وقلة المساعدات.

في أواخر مايو/أيار 2025، أعلنت “الإدارة الذاتية” التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية يقضي بإجلاء المواطنين السوريين من المخيم، عقب اجتماع ثلاثي ضم ممثلين عن الإدارة الذاتية والحكومة السورية والتحالف الدولي، تم خلاله اعتماد آلية مشتركة لإعادة العائلات، ونقل المنتسبين للتنظيم إلى العراق، في حين تم نقل العائلات إلى مخيم آخر في شرقي حلب\.

لطالما اعتبر مختصون أن مخيم الهول شكّل أحد أخطر التحديات الأمنية في المنطقة، نظراً لوجود آلاف الأفراد المرتبطين فكرياً بالتنظيم، مشيرين إلى أن حوادث القتل المتكررة ووقائع الاختفاء القسري داخل المخيم عكست حجم التهديد القائم.

ورأى آخرون أن البيئة المغلقة داخل المخيم أسهمت في ترسيخ خطاب متشدد لدى بعض القاطنين، مع محاولات لنقل أفكار التنظيم إلى الأجيال الجديدة، ما أثار مخاوف من تحوله إلى حاضنة لإعادة إنتاج التطرف، وشكّل الهول مرآة لتحولات الصراع في سوريا، وعنواناً لتشابك البعدين الإنساني والأمني في مرحلة ما بعد سيطرة تنظيم “الدولة”.

الكاتب: فريق العمل
مشاركة: 
الكلمات الدليلية:

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ